المرأة واللغة العربية
10 October 2006
المرأة وتجليات الأصوليين
28 July 2005
المـْرضية...
نزلتُ من غرفتي التي تقع في الطابق العلوي من منزلنا الصغير وتوجهت إلى المطبخ. صببتُ الماء في وعاء معدني ضخم ووضعته على النار وبدأت في تجهيز باقي الأغراض التي أحتاج إليها أسبوعيا خلال هذه العملية: قطن، ملح، مرهم طبي لمحاربة الجراثيم، مقص الأظافر، موسى لاقتلاع الجلد الميت وسائل معقم.
جهزتُ كل شيء وانتظرتُ حتى ارتفعت حرارة الماء فأنزلتُ الوعاء من على النار وصببت الماء في وعاء بلاستيكي أسود كتبتُ عليه إسمه حتى لا يتم استعماله من قبل أخواتي في أشغال المنزل الأخرى. صببتُ الملح داخل الوعاء وحركته حتى ذاب وسط الماء الدافئ وحملتُ الوعاء إلى غرفة النوم، حيث كان هناك ممددا على ظهره يحملق في السقف ويردد كلمات لا يفهمها غيري أنا.
اقتربتُ منه بحذر شديد وغمغمت في أذنه بأغنيته الأمازيغية المحببة، وأخبرته بأن ساعة التدليك قد حانت وشرحتُ له كيف سأقوم بتحريكه من مكانه وإجلاسه على حافة السرير، وكيف سأرفع سرواله عن كاحليه وأغطس رجليه في الماء الدافئ تمهيدا لعملية تنظيفهما وتدليكهما.
استسلم بين يدي كطفل صغير وبدأتُ القيام بمهمتي التي أعتبرها مقدسة ولا أهملها أبدا مهما كنت مُتعبة أو مشغولة. وضعتُ رجليه داخل الوعاء المملوء بالماء الدافئ وبدأت أدلكهما برفق وأنا أغني له أغنيته الأمازيغية المفضلة. مضت فترة من الزمن وشعرت بأن جلد قدميه قد لاَن فحملتُ المقص وطفت على أظافره أشذبها وأقصها بعناية وكلما انتهيت أخضب القطن بالسائل المعقم وأمرره على أصابعه منعا لتسلل الجراثيم والميكروبات. بعد ذلك، حملتُ الموسى المخصصة لاقتلاع الجلد الميت وعملتُ على تنظيف باطن قدميه وأطرافهما من الجلد الميت المتراكم. كانت رائحة العطن تفوح من قدميه النحيليتن، فقمتُ بتدليكهما بكريم مرطب ذو رائحة طيبة ونشفتهما جيدا قبل أن ألفهما في جوارب قطنية اشتريتهما حديثا من صيدلية متخصصة.
مسحتُ حبات العرق التي تدحرجت على جبيني، ثم التقطتُ أنفاسي قبل أن ألمس كفيه وأغطسهما في الماء تمهيدا لتنظيفهما وتدليكهما وتشذيب أظافرهما أيضا. انتهيتُ من الكفين، ثم انتقلتُ إلى ذقنه التي حلقتها ببطء شديد خوفا من التسبب في جرحه ثم قمتُ بتعقيم البثور المنتشرة على وجهه بالسائل المطهر.
أرجعته إلى سريره ومددته على ظهره وقمت بتغيير حفاظه المبلول، وعالجتُ البقع الحمراء المنتشرة في نصفه السفلي ببودرة الأطفال وكريم لمعالجة الاحتقان الجلدي، ومسحتُ نصفه السفلي بفوطة مبللة بالماء والصابون وأعدتُ العملية أكثر من خمس مرات حتى شعرت بأنه بات نظيفا تماما. غيرتُ ملابسه البالية ورششتُ القليل من العطر الذي أحتفظ به في ركن قصي من غرفته، على أطرافه ووجه وغطاء سريره، وجلست أرتاح إلى جانبه.
تأملتُ تقاسيم وجهه المتعبة وتوقفت كثيرا عند الخطوط العميقة التي حفرها الزمن والعمل المضني على جبهته. تذكرتُ كل تلك السنوات التي مشط خلالها شعري وساعدني على حمل حقيبتي المدرسية الثقيلة ورافقني حتى باب المدرسة. تذكرتُ وقفته المهيبة أمام باب الإعدادية ثم الثانوية فيما بعد وهو ممسك بالمظلة واقف تحت المطر ينتظرني بشوق. كان يناولني مظلتي الصغيرة التي لم يكن يقتنع بأنها كافية لحمايتي من المطر، فكان يحشرني معه تحت مظلته الضخمة ويغطيني بجلبابه الثقيل ويغني لي أغنيته الأمازيغية المفضلة....
ياااااالله، كم تبدو تلك السنوات بعيدة الآن. ذاك الرجل القوي البنية المفتول العضلات الذي كنت أفخر بمناداته والدي، شاخ وتقدم في السن وبات ضعيفا لا يقوى على الاهتمام بنفسه ولا قضاء حاجته وتحول إلى كتلة عظمية صغيرة أسميها أنا "بَرَكة" تتكور على السرير ولا تقوى على الحركة...
بلـّلتِ الدموع عيني وأنا أنظر إليه، فحرّك رأسه ببطء شديد ونظر إلي بدروه وابتسم وقال بصوت خفيض جدا: "سيري راكي مرضية عندي آبنتي حتى لـْيوم القيامة".
استسلمتُ لدموعي وضممته لصدري وعانقته بحرارة وتمتمت لنفسي قائلة: "آه كم أحب هذا الرجل.. أطيب وأروع أب في العالم"!
جهزتُ كل شيء وانتظرتُ حتى ارتفعت حرارة الماء فأنزلتُ الوعاء من على النار وصببت الماء في وعاء بلاستيكي أسود كتبتُ عليه إسمه حتى لا يتم استعماله من قبل أخواتي في أشغال المنزل الأخرى. صببتُ الملح داخل الوعاء وحركته حتى ذاب وسط الماء الدافئ وحملتُ الوعاء إلى غرفة النوم، حيث كان هناك ممددا على ظهره يحملق في السقف ويردد كلمات لا يفهمها غيري أنا.
اقتربتُ منه بحذر شديد وغمغمت في أذنه بأغنيته الأمازيغية المحببة، وأخبرته بأن ساعة التدليك قد حانت وشرحتُ له كيف سأقوم بتحريكه من مكانه وإجلاسه على حافة السرير، وكيف سأرفع سرواله عن كاحليه وأغطس رجليه في الماء الدافئ تمهيدا لعملية تنظيفهما وتدليكهما.
استسلم بين يدي كطفل صغير وبدأتُ القيام بمهمتي التي أعتبرها مقدسة ولا أهملها أبدا مهما كنت مُتعبة أو مشغولة. وضعتُ رجليه داخل الوعاء المملوء بالماء الدافئ وبدأت أدلكهما برفق وأنا أغني له أغنيته الأمازيغية المفضلة. مضت فترة من الزمن وشعرت بأن جلد قدميه قد لاَن فحملتُ المقص وطفت على أظافره أشذبها وأقصها بعناية وكلما انتهيت أخضب القطن بالسائل المعقم وأمرره على أصابعه منعا لتسلل الجراثيم والميكروبات. بعد ذلك، حملتُ الموسى المخصصة لاقتلاع الجلد الميت وعملتُ على تنظيف باطن قدميه وأطرافهما من الجلد الميت المتراكم. كانت رائحة العطن تفوح من قدميه النحيليتن، فقمتُ بتدليكهما بكريم مرطب ذو رائحة طيبة ونشفتهما جيدا قبل أن ألفهما في جوارب قطنية اشتريتهما حديثا من صيدلية متخصصة.
مسحتُ حبات العرق التي تدحرجت على جبيني، ثم التقطتُ أنفاسي قبل أن ألمس كفيه وأغطسهما في الماء تمهيدا لتنظيفهما وتدليكهما وتشذيب أظافرهما أيضا. انتهيتُ من الكفين، ثم انتقلتُ إلى ذقنه التي حلقتها ببطء شديد خوفا من التسبب في جرحه ثم قمتُ بتعقيم البثور المنتشرة على وجهه بالسائل المطهر.
أرجعته إلى سريره ومددته على ظهره وقمت بتغيير حفاظه المبلول، وعالجتُ البقع الحمراء المنتشرة في نصفه السفلي ببودرة الأطفال وكريم لمعالجة الاحتقان الجلدي، ومسحتُ نصفه السفلي بفوطة مبللة بالماء والصابون وأعدتُ العملية أكثر من خمس مرات حتى شعرت بأنه بات نظيفا تماما. غيرتُ ملابسه البالية ورششتُ القليل من العطر الذي أحتفظ به في ركن قصي من غرفته، على أطرافه ووجه وغطاء سريره، وجلست أرتاح إلى جانبه.
تأملتُ تقاسيم وجهه المتعبة وتوقفت كثيرا عند الخطوط العميقة التي حفرها الزمن والعمل المضني على جبهته. تذكرتُ كل تلك السنوات التي مشط خلالها شعري وساعدني على حمل حقيبتي المدرسية الثقيلة ورافقني حتى باب المدرسة. تذكرتُ وقفته المهيبة أمام باب الإعدادية ثم الثانوية فيما بعد وهو ممسك بالمظلة واقف تحت المطر ينتظرني بشوق. كان يناولني مظلتي الصغيرة التي لم يكن يقتنع بأنها كافية لحمايتي من المطر، فكان يحشرني معه تحت مظلته الضخمة ويغطيني بجلبابه الثقيل ويغني لي أغنيته الأمازيغية المفضلة....
ياااااالله، كم تبدو تلك السنوات بعيدة الآن. ذاك الرجل القوي البنية المفتول العضلات الذي كنت أفخر بمناداته والدي، شاخ وتقدم في السن وبات ضعيفا لا يقوى على الاهتمام بنفسه ولا قضاء حاجته وتحول إلى كتلة عظمية صغيرة أسميها أنا "بَرَكة" تتكور على السرير ولا تقوى على الحركة...
بلـّلتِ الدموع عيني وأنا أنظر إليه، فحرّك رأسه ببطء شديد ونظر إلي بدروه وابتسم وقال بصوت خفيض جدا: "سيري راكي مرضية عندي آبنتي حتى لـْيوم القيامة".
استسلمتُ لدموعي وضممته لصدري وعانقته بحرارة وتمتمت لنفسي قائلة: "آه كم أحب هذا الرجل.. أطيب وأروع أب في العالم"!
فدوى مساط
شقيقتي الحبيبة، عودي...
دخلتُ شقتي الصغيرة بفرح طفولي ورميت حقيبتي على الأرض بينما أرحت جسدي المنهك على السرير، فقد عدتُ لتوي من مدينة طنجة حيث قضيتُ أياما قليلة رفقة أسرتي وخصوصا شقيقتي بشرى التي تكبرني بأربع سنوات لكننا قريبتين من بعضنا البعض كثيرا. عدتُ في الحقيقة على مضض لأنني كنت أود أن أبقى أكثر من ذلك كي أضمد الجروح الجسدية والنفسية التي تعاني منها شقيقتي بعدما أذاقها زوجها طعم العلقم...
أحبك بصمت!
على إيقاع "أنا بعشقك أنا" لصاحبة الصوت الطربي ميادة الحناوي، ها أنا أكتب لك من جديد، لكن سامحني لأنني لن أبعث لك هذه الرسالة كما لم أبعث لك المئات مثلها من قبل...
عادت بي الذاكرة إلى ذلك اليوم الذي رأيتك فيه. كنتَ جالسا لوحدك في صالة المركب السياحي بمدينة مراكش. أمامك أوراق مبعثرة بيضاء وقلم مستلقي بتعب على المنضدة الصغيرة الملونة. كنتَ مشغولا بالتحديق في الناس من حولك. بدوتَ لي مهموما ووحيدا فقصدتـُك وسلمتُ عليك. جلستُ إلى جانبك بخجل ولسبب غامض عجزتُ عن التطلع إلى عينيك.
حرة أخيرا!
وأخيرا تمكنت من كسر القيود التي دمرت حياتي لسنوات. وأخيرا استطعت أن أهرب من الجحيم الذي عشته لأكثر من عشر سنوات. عشر سنوات مليئة بالألم والقهر والدموع مرت ببطء شديد كنت أعيشه بعذاب وأتطلع لليوم الذي سأتخلص منه لكنني فعلتها اليوم، تركت كل شيء خلفي وجمعت بقايا كرامتي وقفلت الباب. عشت مع زوج ناكر للجميل، تزوجته بعد قصة حب قصيرة في الثانوية. كنت كأية مراهقة حالمة أرى فيه الدنجوان الذي سيملأ حياتي سعادة وحنانا... كنت متلهفة لليوم الذي سيجمعنا كعروسين وبدأت أخطط لكل تفاصيل حياتي القادمة معه. سألت أصدقاءه عن هواياته المفضلة وأغانيه المحببة والأفلام التي لا يمل من مشاهدتها حتى أقتنيها وأضعها في غرفة النوم التي ستتوج حبنا معا، تقربت من شقيقته الوحيدة وأمطرتها بالهدايا كي تبوح لي بأسرار الأطباق التي يشتهيها ونفذت جميع رغباتها كي تتحدث عني بشكل إيجابي أمامه...
الجبانة
لا أكاد أصدق أن جميع الأحلام التي كنت أشيّد بحب شديد وأنا صغيرة ستتبخر هذا الأسبوع. ولا أستطيع أن أصدق بأنني استسلمتُ لإرادة عائلتي بهذه الطريقة الجبانة دون مقاومة ودون حتى تهديد. أنظر إلى والدتي وهي تتصل بأفراد العائلة المنتشرين بين مدن المغرب لدعوتهم لحفل زفافي، باستغراب كبير. وأشاهد كل تلك الملابس الجديدة الملونة التي تحضرها شقيقتي وتقيسها علي دون أن أشعر بأي إحساس تقريبا.
زوجة سعيدة، لكن!
قرأتُ يوما بأن الحياة لا تعطي الإنسان كل شيء، كل الوقت، وها أنا اليوم أمام امتحان الحياة التي تكاد تسحب مني سعادتي وحياتي المستقرة دون سابق إنذار. رزقني الله بزوج حنون ملأ علي حياتي وأذاقني طعم السعادة بعد سنوات من اليُتم والتردد بين بيوت الخالات والأعمام الذين حاولوا ضمي إلى أسرهم الصغيرة وتربيتي مع أبنائهم، لكن غيرة هؤلاء الأبناء من اجتهادي وتفوقي في الدراسة كان دائما السبب في طردي من بيت أحد الأعمام إلى أحضان إحدى الخالات، إلى أن تبدأ بناتها في الشكوى من المقارنة بين نتائجي ونتائجهن الدراسية الفاشلة فيتم تنقيلي إلى بيت قريب أو قريبة جديدة.
ساعدني يا إلهي
فجأة، غمر ضوء باهر الغرفة التي كنت أرقد فيها وعجزتُ عن فتح عيني لوقت طويل. استسلمتُ للخدر الذي كان يسري في عروقي وللتعب الكبير الذي شل عضلاتي وجعلني أحس وكأن شاحنة ضخمة طحنت جسدي... بدأتُ أستعيد وعيي شيئا فشيئا ومعه استعدتُ ذاكرتي أيضا. نظرت من حولي ورأيت الممرضة التي أدخلتني غرفة العمليات هذا الصباح. كانت تبستم وسألتني هل تعرفين ما هو اسمك؟ تمتمت بتعب شديد "فدوى". قالت Good وابتسمتْ مرة أخرى وهنأتني على نجاح العملية.
آمال لم تتحقق
رغم مرور خمسة وعشرين عاما على وفاة والدتي إلا أن طيفها مازال حاضرا بقوة داخل منزلنا. صورها التي تملأ المكان وكتبها التي مازالت تحتل رفوف المكتبة العتيقة في غرفة نوم والدي وبعض ملابسها الملونة المعلقة في الخزانة... كل شيء مازال هنا كي يُذكـّر الجميع بشخصيتها الفاتنة... إلا أنا، فأنا لم أرى والدتي ولا أتذكر منها شيئا باستثناء الوصف الدقيق الذي كان والدي يسرده على مسامعي كلما سألته عن والدتي وعاداتها وأوصافها عندما كنت طفلة صغيرة. وآمالي التي لم تتحقق.
المجموعة القصصية الفائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب
شقاء
28 July 2005
استيقظت خدوج قبل أن تكمل الشمس نشر ضفائرها على الوجود، أيقظها ذاك الإحساس الذي دأب على فض رموش عينيها يوميا قبل الشروق طوال الخمس وعشرين سنة الماضية.