ممنوع نقل أو إعادة نشر المقالات من الموقع دون إذن من الكاتبة. يمكن مراسلة الكاتبة على العنوان الإلكتروني fmassat@gmail.com

>> Home >> شئ من الألم

شقاء  
استيقظت خدوج قبل أن تكمل الشمس نشر ضفائرها على الوجود، أيقظها ذاك الإحساس الذي دأب على فض رموش عينيها يوميا قبل الشروق طوال الخمس وعشرين سنة الماضية. كانت خدوج قد قطفت العود الخامس من شجرة سنينها الشاحبة قبل أيام. ترملت وهي ما تزال بعد في الخامسة والعشرين. خطّ الزمن أخاديد عميقة على وجنتيها ورصّع جبهتها بخطوط متشعبة من التجاعيد البنية.
لم تعتبر نفسها أبدا طويلة القامة بل إن قامتها القصيرة كانت السبب الرئيسي وراء زواجها من المختار، الخبّاز الذي كان مثار سخرية الآخرين بسبب قصره ونصف الاستدارة الراكبة على ظهره.
انبعث آذان الفجر من المئذنة المتآكلة إنها علامة الإيمان اليتيمة في الحي الهامشي الذي يطوّق العاصمة في استسلام. بسملت وحوقلت ثم قامت تجمع ربطات النعناع التي أرجعتها معها أمس. رتّبت الأحزمة الخضراء ثم نقعتها بماء بارد لتبعث فيها القليل من الطراوة.
كانت تعتبر أن صلاتها وعبادتها تتلخص في أن تقوم بواجبها تجاه ولديها : الهاشم وغيثة وفي أن تحصّن نفسها ضد محمد بائع السردين ومصطفى سمسار الحي. كانت خدوج امرأة صلبة، كبَكرة الناعورة التي لا تكمل استدارتها إلا لتبدأ العمل من جديد. كانت تبيع النعناع خلال نصف النهار الأول على باب "المارشي" ثم تقف على باب "السويقة" لتزيين أيدي السائحات المتغنجات بالحناء ولا تُنهي عملها أحيانا إلا مع ساعات الصباح الأولى وهي تنظف أواني اليوم عند بعض الجيران مقابل أجر زهيد.
بعد إنعاش ربطات النعناع، قامت خدوج بوضعها داخل الكيس، ثم استدارت تُزاوج ما يقع تحت يديها لتصنع وجبة فطور للهاشم. استيقظت غيثة على إيقاع الأواني الثائرة وما كادت تنفض عنها الغطاء المزركش حتى استدارت أمها جافلة:
-"على السلامة اللي فـقتي"!
-"شكون يقدر ينعس مع هاد التقرقيب"؟
لكن اللهب الذي بدأ يتأرجح في وسط حدقتي أمها كان كافيا لردع سيل الكلمات المتأهبة على شفتيها. أدركت غيثة بحدسها أن أي كلمة أخرى تضيفها ستكون شرارة لاندلاع مبارزة كلامية هي في غنى عنها هذا الصباح المبكر، ثم تثاءبت كاشفة عن أسنان صفراء مبعثرة لأنها لم تنل بعد كفايتها من النوم. لقد عادت أمس جد متأخرة بعد سهرة قضتها مع محسن بإحدى علب الليل الرخيصة. تنهدت وهي تتذكر أحداث الأمس، ذاك العالم الذي تنفلت فيه من عقال وصايا أمها عن الشرف والكرامة وحيث تُترجم كل سخطها على حياتها إلى جذبات على إيقاع موسيقى لا تفقه من كلمات أغانيها حرفا واحدا. وليس أحبّ إلى نفسها من تلك الأضواء التي تنهمر على جسدها وهي تتمايل راقصة، جاعلة منه تارة كرة من نار تتأجّج كلما ارتفع إيقاع الموسيقى ثم تارة أخرى جسدا مخدّرا على صدر محسن حين تبطئ وتخفت.
تذكرت كيف ارتعشت تقاسيم وجهه وهي تتلوّى أمامه كاشفة عن ساقيها في دعوة ساخرة ثم هروبها منه كلما أراد اعتقالها بين ذراعيه. تذكرت تلك الحرارة التي رافقت طواف ذاك المشروب الأحمر داخل عروقها، أخذت تدندن بآخر أغنية رقصت على إيقاعها، فنهرتها أمها مستنكرة التيه الذي تدخل فيه مرات متقطعة في اليوم. ثم دعتها لمساعدتها في تنظيف الحجرة.
كانت خدوج حانقة على ابنتها لأنها لم تستطع أن تحقق من خلالها ما عجزت عنه في شبابها، فخدوج لم تطأ حجرة الدرس أبدا في حياتها ولطالما تمنـّت أن تصبح ابنتها معلمة تحمل الكتب وتضع النظارة لكن ابنتها خيبت أملها بعد أن تركت المدرسة في السنة الثالثة ابتدائي ولم تفلح دموع خدوج في إقناع ابنتها بالاجتهاد أبدا كما لم تفلح فيما بعد في إقناعها بتعلم حرفة في "نادي النسوة" الكائن بدار الشباب وبالكاد نجحت في إقناعها مؤخرا بالعمل لدى عائلة ميسورة كخادمة بعد أن أضناها جلوسها بالبيت ونومها السباتي الذي لا تقطعه إلا لتأكل أو لتتعارك مع أخيها. لكن عودة غيثة متأخرة هذه الأيام بدأن تزرع في نفس أمها ارتيابا يكشف عن نفسه من خلال الاتهام المتسرّب مع كلماتها والمطل من نظراتها.
أنهيا العمل في صمت ملغوم، وحين كانت الأم على وشك الخروج وهي تحمل على ظهرها كيس النعناع الضخم حذرت ابنتها من العودة إلى النوم أو العراك مع الهاشم وأوصتها بأن تأخذ سلفية من مشغلتها لأن الهاشم يحتاج لبعض المال. تركت خدوج ابنتها تتمتم بكلام غير مفهوم وتوجهت إلى "المارشي" لبدء يوم جديد من العمل. وما كادت الأم تغيب عن نظرات غيثة حتى عادت الأخيرة لتستلقي من جديد على فراشها وهي تتلاعب بخصلات شعرها الأجعد حينا وتطوّح بساقيها في الهواء حينا آخر. كانت تمرّر بنصرها على شفتيها وهي مأخوذة بالتفكير بمحسن، ذاك الرجل الكامل الهيئة، صاحب الجسد الغض الذي تسعد بالذوبان بين تضاريسه.
كانت تبحث دائما عن طيف رجل يمسح ذكرى أبيها الأحدب الذي كانت تخجل من المشي إلى جانبه و قزميته التي جعلتها تهرب من المدرسة اتقاء سخرية الآخرين منها. لقد ظنت دائما أن الهاشم سيملأ الفراغ الرجولي في حياتها، تمنت دائما أن تمشي إلى جانبه، أن تعلن للآخرين أنها تنتمي إليه وأنها في حمايته. حماية رجل طويل القامة لا تفسد هيأته أية إعاقة. رجل ككل الرجال الذين كانت تراقبهم وهم يصطحبون أبناءهم من المدرسة... لكن خيبتها كانت عظيمة، خيبة لم تستطع تقبلها حين أدركت أن الهاشم غير متفرغ لرأب كل هذا الصدع الرجولي في حياتها، فهو لم يكن يستفيق من ذهول دخان المخدر إلا ليعانق ألوان الخمور الرديئة. وكأنه يملأ فراغا من نوع آخر. وكانت تتعجب دائما من أن يشكو هو الآخر من فراغ من أي نوع، فهو رجل مكتمل وهذا يكفيه ليكون سعيدا.
تحولت خيبتها فيه إلى نوع من الحقد كانت تغذيه كراهية هيئته المتسخة ولامبالاته المستفزة، كراهية حملته وزر فشلها وضياعها، كراهية تكون دائما سببا في معارك لا يوقفها غير دموع أمها خدوج بعد عجزها عن استعمال يدها أو ما تتلقفه من "بلاغي" ومكانس.
تنهدت بعمق وجعلت تلعب بقدميها وهي تلوك لحنا أجنبيا تحاول جاهدة نطق كلماته. أطبقت عينيها مستسلمة لغفوة استساغت أن يكون محسن معها، رأته ينتظرها أمام محطة الأتوبيس بعينيه الغائرتين وقميصه الشاحب الذي يكشف عن صدر متهدّل تشوبه حمرة نبيذية تتحول إلى سمرة عند العنق وسرواله الضيق الذي لا يغيره إلا لينتظر جفافه من ماء الغسيل. وكالعادة، رأته شاخصا إلى صدر إحدى الفتيات الواقفات إلى جانبه أو يداعب سلسلته النحاسية المتدلية من معصمه. كانت تقترب منه في حبور وهي تتلاعب بمشيتها، حين علا صراخ الهاشم فجأة منتشلا إياها من تلك الغفوة اللذيذة. علا صراخه وهو يزمجر سائلا عن فطوره، فقفزت من فراشها لتميط ثوبا كان يحجب صينية الأكل التي تركتها أمها هذا الصباح.
تراجعت إلى الخلف تراقبه وهو يمضغ شطائر الخبز بتراخ، وتستدير ممتعضة كلما انسكبت قطرات الشاي الأحمر على ذقنه وملابسه. أنهى وجبته وتراجع إلى الخلف متثائبا فاتحا فاه، كاشفا عن بقايا أسنان سوداء متهدمة ولثـّة زرقاء تطوقها شفتان متشققتان بدأتا تميلان إلى الدكنة. تشاغلت بترتيب السرير والتأهب للذهاب إلى العمل، لكن الهاشم أوقفها قابضا على معصمها سائلا إياها بعض النقود لشراء السجائر، فسحبت معصمها ساخطة مخبرة إياه أنها لا تملك درهما واحدا وأنها ستستدين من مشغلتها في المساء وكان جوابها كافيا لإحداث تماس كهربائي بأعصابه، جعله يقفز من مكانه مستنكرا وغير مصدق لكلامها:
-"أعلم أن لديك المال، أم أنك تظنين أنني لا ألاحظ دخولك لبيت محسن كل يوم! لا تحاولي إقناعي بأنك تعرضين عليه خدماتك بالمجان!"
عقدت المفاجأة لسان غيثة، هالها انكشاف سرها مع محسن، هالها أكثر أن الهاشم كان يعلم كل شيء ولم يحرك ساكنا، لقد فهمت لماذا كان يطلب المال بذاك الإلحاح وكأنه كان يطالب بثمن صمته... تجمّع حقدها الموؤود وقفزت كراهيتها مشعلة حريق السخط على شفتيها فراحت تلعنه وتلعن وجوده ورجولته، بدأت تعيب عليه قامته والشعر النامي على وجهه، وصفته بكل الكلمات التي كانت تُسمعها إياها زميلاتها في المدرسة عن أبيها، واجتاحتها نوبة تشنج وهي تصرخ. كانت لا تقول شيئا محددا لكنها كانت تُفرغ ذاك الخزي والعار الذي كانت تحسه كلما رمقتها إحدى جاراتها بنظرات الشفقة. بدأت الدموع تنساب من مقلتيها وعاودها السخط على واقعها، على ذلك الواقف أمامها، جثة عفنة ينمو عليها القمل، تبحث دائما عما يُذهب وعيها، لا تنفع لشيء غير الأكل والاضطجاع والتبول على نفسها كالشياه...
عاودها السخط على أمها. المرأة المستسلمة، بائعة النعناع التي تتشدّق بشرفها وتجلّدها، المرأة التي تكره خنوعها للهاشم وتسليمها للدريهمات التي تحصلها طوال النهار ثم إجبارها هي على تسليمه أجرتها كاملة آخر كل شهر...
عاودها السخط على نفسها، تذكرت طقوس أول مرة سلمت فيها نفسها لسعيد، بائع أدوات الزينة مقابل أحمر شفاه، وثاني مرة لعُمر بائع الملابس المستعملة لأجل فستان وثالث مرة... كان صراخ الهاشم يملأ المكان بعدما تجاوزته الدهشة، وقد ارتعشت أطرافه وهو يصرخ مادّا يده لإمساكها من شعرها. حاولت الإفلات منه، لكنه تمكن منها وأخذ يجرها من شعرها وهو ينهال على وجهها بصفعات صارخة أو يوجه لبطنها وبين فخذيها ركلات عشوائية...
بدأت غيثة تستغيث بالجيران وهي تنتحب وترجوه أن يتركها، لكنه لم يكن يسمعها، كان ينفـّس عما اختزنه طوال سنوات، كان يناطح صورا عذبته وجعلته يبحث عن النسيان بين قناني الخمر الرديء وأصناف الحشيش الهابطة... صور أمه وهي تُقبّل بوخنفورة البقال بين صناديق البضاعة، صور أخته غيثة وهي تخرج من بيت لتدخل آخر... صور والده وهو يتقيأ دما أسود أمام نار الفرن المتأججة طوال أيام الصيف المحرقة... تذكـّر كل ذلك وأحنقه أن تعيّره أخته في رجولته، فحملها ورماها على السرير المتهالك وهي تتلوى من الألم، انفلت غضبه من عقال الصمت واللامبالاة التي أسبغها على نفسه طوال هذه السنوات، وانهال عليها ضربا والشتائم البذيئة تتسابق على شفتيه... وحين أرادت الهرب قافزة عبر المائدة المستديرة وسط الغرفة، شجّ رأسها بالرّحى الإسمنتية التي تستعملها أمه لطحن أوراق الحناء. أخذ يحطـّم رأسها والدماء تتدفق من جمجمتها وتصبغ على الحيطان لونا قانيا، ولم يوقفه غير صرخة أمه التي سقطت على الباب بعد أن هرولت مسرعة من المارشي، بعد أن أخبرها ابن الجيران بالصراخ المنبعث من غرفتها.
كانت ساقطة على عتبة الباب وحدقتاها المشرعتان تعكسان لون الدماء المتفجرة من جمجمة ابنتها، وإلى جانبها ربطة نعناع وقد تخضبت بالدماء التي بدأت تتسرب خارج الغرفة.

المجموعة القصصية الفائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب

نشيج على كتف إله مزور!

8 July 2005

"أدمنتك وإن كنت لا أجرؤ على تكسير قيودك".

شقاء

28 July 2005

استيقظت خدوج قبل أن تكمل الشمس نشر ضفائرها على الوجود، أيقظها ذاك الإحساس الذي دأب على فض رموش عينيها يوميا قبل الشروق طوال الخمس وعشرين سنة الماضية.

ندبة

16 June 2005

مالت شمس متشحة بضباب برتقالي شفاف جهة الغرب، ثم اختفت خلف الجبال وبدأت أولى خيوط الظلام تلف المدينة وتمسح الظلال من الوجود. المدينة عائمة في صمتها الأزلي، تلبس بياض دُورها الناصعة وكأنها في حداد دائم.