>> Home >> صالون
مواجهة ساخنة مع الجنة
رفعتُ رأسي نحوها•• ” أيعقل أن تكوني أنت؟ أيعقل أن أُصفع عمرا آخر بسمرتك الغجرية وعينيك المجوسيتين وصمتك العظيم؟”
سرتُ في غاباتي جائعا إلى أن أبصرتها تلبس نفس “الكولون” ونفس القميص البني، وعلى وجهها يرتسم نفس الحزن. كانت ممتلئة قليلا، تسأل الريح عن ظل رجل يجلس في مواجهة قلبها تماما؛ يبتسم لها لوحدها ويعزف لها بألم يشهق في عينيه: ” كل شيء يذكرني بابتسامتك المزدحمة في الفم، بعينيك المجوسيتين، باستبدادك الذي يحط على أعصابي كإصبع كهرباء، كم تستبدين بي كمملكة (!!). صرت حذراً. حذراً في الكلام والصمت، والمشي والوقوف، والضحك والبكاء. وصرت إذا نظرت إلى الوراء خفت.. خفت.. كلاب البرد تطاردني، وإذا نظرت إليك اعتقلتني “عيون إلزا” و”شفاه جوليا” و”آلام المسيح”….
كان يعجبها، حينما تخرج للقائه، أن ترتدي سروال جينز بني (إيلاستيك) يبرز بشكل لايقاوم فخذيها الرائعتين؛ كان يعجبها أيضا أن ترسل شعرها العسلي إلى الخلف، وأن تترك بضع خصلات متدلية على جبهتها ووجنتيها الخمريتين. لكنه يجدها رائعة في ثيابها البيتية، يتلصص عليها في أحلامه وهي تجفف المراح؛ وهي تدلك العجين؛ وهي تهيئ الفطائر؛ وهي تستمع إلى “كن صديقي” أو”جاك بريل” أو “زانفير” أو”غادة رجب”؛ وهي تدلف إلى غرفتها خلسة، لتخرج قنينة “الويسكي” المخبأة بعناية في الدولاب؛ وهي تحتسي جرعة؛ وهي تهب رقصا شرقيا؛ وهي تخجل من نظراته التي تتسلقها مثل ذئب، وهي تقرأ صاعقة أدبية؛ وهي ترسل عيونها في “تأملات الماء”، وهي تنصهر في ألمها العظيم؛ وهي تحكي لصديقتها “حنان” عن ذلك الخائن الذي سقط صريعا على أعتاب شمسها الدافئة، وهي ترسم سقفا وسريرا وقوارير عطر (جادور- المركب السكران- بالوما••••) وبابا وترباسا ومكتبة وصدريات وسراويل داخلية من مختلف الأحجام؛ وهي تكتفي بنفسها: “ما همَّ إن فقدت العالم•• المهم أنني كسبت نفسي.. نفسي”..
طلبتْ لها عصير برتقال، وله قهوة سوداء. وأخبرته أنها لم تمنعه يومًا من الدخول إلى ساعاتها، فهي تسمع صراخه، وترمم بخيوط شمسها نوافذه. أخبرته أيضا أن تشوهاته تقلقها، وأنه قد يتحول في غضون الخسارات القادمة إلى رقصة شعبية أو إلى مجرد تعويذة معلقة في حديقة مهملة• وسألته- إذا ضاع صوته- أن يتساقط عليها بشدة، وأن يخطفها إلى نهاية الريق.. وأن يطمئن إلى طعمها، فهي تشبه إلى حد بعيد كأس نبيذ، وأنه سيكتشف السر إذا قبل دعوتها للعشاء تحت ضوء الشموع••
” في ظلك أدفن بهدوء ظلي، و في عينيك أبكي مثل بحر جريح وأنام على سرير أرقي عاريا من الضوء، أصنع من دمعي زورقا وأسافر إليك كرغبة قديمة. لحافي برد، وعاطفتي أرجوحة، أستأنس باشتعال وجهك في مخبأ الضالعين في الجرح، أربت على رأسك مثل ساحر، وأحلم بمحطة بنزين أفجرها في حلم الرغبات المالحة. صدِّقيني إني أموت مؤقتا كل لحظة تحت غيماتك.. صدقيني، إنني أتحول، كلما أمعنت النظر إليك، إلى قطيع كركدن ثائر؛ ولفرط ولعي بعبورك، أرفس سادة النسيان بحذائي “الرايبوك”، أثخنهم تذكرا وأتقهقر إلى وادي الظلال لأسهر، في معبدك، وحدي•• “•
ولأنه يحبها كل ليلة، ويطوف في جسدها حافي القدمين، طرد قطيع الكركدن من لسانه وحوله إلى ذبابة، ثم حوَّل يديه إلى مروحة ليهش عليه؛ ولما أصابته نظرة حنان من عينيها، أقسم أن لا ينزل من شرفة الساهرين إلا والقمر في يده، وأن يحلم بشجرتين متعانقتين وكوخ صغير يتوسط حقل قمح ومرآة مستطيلة (بدون نقوش) وصندوق خشب ورواية “يوميات سراب عفان” وقليل من “الضحك والنسيان” وغصن للرسم وعلبة للألوان وظبية ترسم ابتسامتها على شبابيك المطر.. لا أقل ولا أكثر•
“يا توأم روحي…
(أكلي وشربي)
دعنا نلتق ولو ليلة واحدة في حلم غيمة…
(بقعة نفطية سوداء)
ستراني في مغارات غربتك…
(صحراء آلاسكا)
أصنع لك الفرح معطفا…
(جلد قردة إفران)
وأرسم على قماش خيالك…
(المواقع الإيروتيكية)
زاوية لتقطير الضوء…
(شموع السادات والأضرحة)
وأخرى لقطط تمرح في ليل العميان…
(قادة الأحزاب الوطنية)
يا حبيبي…
( رصيد بنكي)
كل البحر خرافة…
( المسلسل الديمقراطي)
فاغتسل بألوانه السبعة…
(أقزام بياض الثلج)
وابتسم لي بين موجتين…
(إف•م- ساوا)
وقل للريح أن تجفف الغدر من عينيها…
(عين السبع- عين الذئاب)
قل لها أن تعتني بأزهار شرفتها…
( شعاب أوريكا)
قل لها أن تختفي إذا ما أطبقتُ عليك مثل سماء…
( بركة أوحال)
قل لها إننا لانحتاج إلى مظلة…
(برلماني أو وزير)
نحتاج فقط إلى وردتين…
(من البلاستيك)
وأنفاس…
(تأوحات منتصف الليل)
ولوحة ساخنة…
(تماثيل رودان)
انتبهت إلى نفسي، وأنا نائم تحت شجرة خوخ، وحولي أكوام من العقارب تركب بعضها وتضحك في وجهي، كانت سوداء ولئيمة مثل ” شعب الفلاشا”، كانت “مي تودا” تحرسني وأنا أرتجف، تحرسني بأثدائها الشهية وحولي أخواتي مدججات بالثلج والأعشاب وعلبة “دوليبران” ووصفة فقيه أعمى (يوجد حاليا بالسجن لإقدامه على اغتصاب طفلة في العاشرة): “الله آميمتي على وليدي.. ضرباتو السخانة•• الله آميمتي..” .. وأنا أرتجف وأرقص تحت اللحاف المعطر برائحة الحناء والورد، طبل “أكناو” يقرع في غاباتي الاستوائية، ونايات “إمديازن” تزغرد حولي كأفعى برأسين، تطير وتقذف الحمم النارية على مقهى “فرجينيا”، كل زبناء المقهى منهمكون في ملء “الكلمات المسهمة”، يواجهون “أبو سلمى” بالمعاجم والمناكب والقياس والنحو والتركيب وغير قليل من المقالب اللغوية، يستدرجون المفردات حرفا حرفا، ولا يعيرون نظرا للأفعى التي ترشقهم بأحقادها، كانوا جميعا مطمئنين إلى مظلاتهم وزوجاتهم وأبنائهم وأرباب عملهم، وإلى عطف أمريكا؛ وأنا مطمئن إلى حمام “مي الحاجة” (نساء مثل الهايشات، أمعاء البرتقال، الزغب، مينورا، الغاسول، القطران، الزناخة، الدلاء المطاطية السوداء، الطاسة، صابون الريحة، المحكة الحجرية، خرقة الصابون، الطيابات..)، أنزلق بين اللحم المترهل ، وأكرر ولادتي عشرات المرات في اليوم؛ تمددني أمي في “السخون” وتدعك جسدي ب”الصابون البلدي”، وتجعلني ألزم مكاني في الجحيم. أتصبب عرقا وعرقا وعرقا، وأراهم يسحبونني من رجلي وأنا بدون حراك، يقرأون على جثتي ما تيسر.. و”كان.. وكان.. ولم يكن.. ولم يكن”، ويرمونني في بيت مظلم مليء بالجرذان والديدان والقطط الجائعة والغيلان (رأيت بينهم وجها أعرفه: بيير شيما بجاكيت مُرقَّعة من الموسلين، مليئة بالقمل والعناكب والسلاسل والرسوم الغريبة)• كان في ذلك البيت سرير خشبي محاط بشموع في نهاية العمر، تكمع وتكمع وتنام، وأنام.. “وانوووض.. واش هذا وقت النعاس.. نووووض، يالله..آرا ظهرك.. آرا..”•
منحتها ظهري، ومنحت عيني للحم المترهل، جبال من اللحم الساخن المتلاطم. كم يلزمني من أقراص مدمجة كي أحفر فيها هذه الجنة (!!)..
سعيد منتسب عن موقع دروب
المجموعة القصصية الفائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب
شقاء
28 July 2005
استيقظت خدوج قبل أن تكمل الشمس نشر ضفائرها على الوجود، أيقظها ذاك الإحساس الذي دأب على فض رموش عينيها يوميا قبل الشروق طوال الخمس وعشرين سنة الماضية.