>> Home >> فدوى في الصحافة العربية والدولية
-1- هاجس التشابه والاختلاف:
إن سرعة تغير الأخلاق القيمية والضوابط العلائقية للمجتمع، أضفى على خطاب الأنثى طابع الحيرة والدهشة بل والوقوف على حافة الجنون أحيانا، وإن كانت أجمل الأشياء هي تلك التي يوحي بها الجنون ويكبتها العقل، وهذه حالة "هدى" الشخصية الرئيسية في قصة "من أجل هرم أزرق" والتي تصر على عفتها رغم حاجتها الماسة للمال، مجربة ركوب موجة صديقتها نادية بنية الاستطلاع ليس إلا. و بالتالي المحافظة على تميزها وإن كان خطابها يوحي عكس ذلك. تقول في ص12: "لكنني اليوم سأصبح مثلهن فهنيئا لهن، سأصبح مثلهن". إن هذا التصريح لا يعدو كونه نقدا ذاتيا وجلدا للذات عقابا لها على اقتراف خطيئة الدعارة. فمثول هدى بين يدي الشيخ الخليجي لم ينسها ما تربت عليه من أنفة وكبرياء، إذ أن أول إحساس راودها تجاهه هو السخرية منه: "إن ما انفجرت له هدى ضحكا هو أن الشيخ كان عاجزا جنسيا، فهو لا يقوى حتى على مضاجعة كفه". ص 13
فعلى الرغم من تصوير جسد هدى كشيء مرغوب فيه لا راغبا وموضوعا لا ذاتا، فإنها تتشبث بالتمرد كقناة للتحرر ومنفذ للتنفيس عن حالة انسحاقها. ومع ذلك فإن هذا الموقف جعلها تعيش انقساما على نفسها وتمزقا وجوديا حادا، "فهدى" وإن استـُدرجت لعالم العهر، فإن الباطن بقي محافظا على مسافة معقولة من مسلكيات نادية الساقطة. فبين الحين والآخر تتحول هدى لعين رافضة لعوالم المجون. تقول في ص 12" بقيت هدى معلقة بين عتبة الباب مصدومة مما تراه أمامها عشرات الفتيات الجميلات وبنات حيّها بينهن وقد تجرد بعضهن من اللباس يرقص بمجون يثير الغثيان"، ويبقى السؤال قائما : إذا كانت هدى غير حرة في الاختيار، وأنها وُضعت وضعا في سياق مجتمعي خاص. فهل يحق محاسبتها أم محاسبة واقعها أولا؟
إن وعي هدى الحاد بالحاجة والعوز هو الذي قاد خطاها لعالم العهر، ومع ذلك فإنها مسؤولة عن اختيارها. اختيار صعب كشف لها عن تعارض حاد بين متع الآخر وألم الأنا.. عالم متناقض يتنكر بسهولة لإنسانيته. و ليس من الصدفة أن ينتهي النص الافتتاحي لهذه المجموعة بالحديث عن كلب الشيخ، وهو إحالة صريحة على بقايا البعد الغريزي والحيواني في الإنسان! إن النهاية المفتوحة لقصة "من أجل هرم أزرق" ترمي بقارئها في متاهة من الأسئلة المربكة خاصة إذا ما قورنت بعنوان المجموعة "شيء من الألم". فارتياد إن لم نقل تفرج هدى على عوالم المجون هو نوع من الاحتجاج الداخلي وإن بدا خارجيا استسلاما! ونحن نعرف أن المرأة في علاقتها بالرجل توظف جسدها كورقة ضغط أمام إجحاف التراتبية الجنسية التي تعطي الأولوية للرجل في كل شيء. ذاك الجسد الأنثوي الذي يكشف عن تناقضات الرجل وتمزقه بين الإقبال عليها ورفضها في ذات الآن، مسلكيات تكرست بقوة الأشياء، وبفعل تنشئة المجتمع الأبيسي. وعلى حد تعبير فرويد "إننا دون أن نعي ذلك أو نريده نمتلك في أجسادنا قيـّما، كلمات، تعابير، أخلاقا متعارضة. إننا بلغة فزيولوجية مشوهون ملأى بالتناقضات".
إن مصطلح الألم الوارد في عنوان المجموعة يعتبر مفتاحا دلاليا لمرجعية القاصة. ومن خلفها شخوصها، حيث البناء العميق للنصوص يختزل عدة تقابلات ضدية ومنها: ألم الأنا/ لذة الآخر ، رغبة الرجل/ استجابة المرأة، فائض القيمة/ الحاجة والعوز. فهدى مثلا ترتاد عالم المجون لا لشرب كأس الصبابة واللذة الجسدية، بل لمصارعة الجوع والموت، أي تفادي لحظات الألم وهي في ذلك محفوزة برغبة عارمة في تغيير حب الرجل للمرأة: حب محكوم بخلفية التملك والاحتواء. فالذكَر تربى على حب الذات المرضي وعقدة التفوق مما جعل العلاقة بينهما لا تنبني على المشاركة والتساوي وإن بدا خطابه كذلك. تقول فاطمة المرنيسي: "حين يكون هناك تناقض بين الواقع المعيش من جهة، والأفكار والتصورات والأنماط والصور المختزلة في خلايانا العقلية من جهة أخرى، فإن قدر الفرد أن يتألم، وكلما كانت الهوة عميقة بين واقعنا، وأوهامنا وطموحاتنا، كلما كان ألمنا كبيرا وأشكال الصراع والتوتر التي تمزق أحشاءنا عميقة. إن الثمن النفسي الذي نؤديه لا يحتمل"1.
إن هذا التوصيف لحالة القهر المجتمعي لا تستثني الرجل الذي يعيش بدوره حالة انسحاق، تقول الساردة على لسان شرطي في قصة "باش ما سخاك الله": "لا أرى في نظرات الناس غير الخوف والاحتقار، البارحة سمعت أحدهم يشبهني بقالب السكر الأزرق الذي لا دماغ له". ص 37
إن اسم بطل هذه القصة يشكل لوحده مفارقة دلالية "فالمعطي" هو ذاك الكائن الحي الذي يعطي في الوقت الذي تنتهي حكايته بالعطاء للآخر لا الأخذ.
-2- الوعي بالنقص ونشدان المطلق:
إن الوعي النوعي لبعض شخصيات هذه المجموعة هو ما جعلهن متمردات حرونات. و بالتالي مراهنتهن على الكفاح من أجل إعطاء معنى لحياتهن ووجودهن. تقول الساردة عن خدوج في قصة "شقاء" : "كانت تعتبر أن صلاتها وعبادتها تتلخص في أن تقوم بواجبها تجاه ولديها الهاشمي وغيثة، وفي أن تحصن نفسها ضد محمد بائع السردين، ومصطفى سمسار الحي. كانت خدوج امرأة صلبة كبكرة الناعورة التي لا تكمل استدارتها إلا لتبدأ العمل من جديد" ص48.
فرغم الترمل والوحدة وصعوبة العيش تراهن المرأة على العمل بقصد صياغة هوية نوعية لأناها معزية نفسها بأن اللذة زائلة والمتع هاربة! صحيح أن جرحها ظل مفتوحا : أولا لغياب الرجل من حياتها وثانيا لإحساسها باليتم والاغتراب بسبب الأمية وانكسار حلمها في أن تجعل من ابنتها امرأة نموذجية. غير أن عمق ألم وجرح الأنثى وصل مداه في قصة "ثدي من زجاج" حيث أصيبت البطلة بالجنون، جنون عاقل مصحوب بأسئلة إشكالية كبرى ومنها: ترى هل الجنون بداية أم نهاية "لمعيوة"؟ ألا يمكن اعتبار جنونها أعلى درجات الاحتجاج على واقع قهري مرفوض. إن الجنون والحالة هذه، احتجاج بعقل خاص على واقع خاص. تقول الساردة في ص " 65تناقلت الشفاه حكايتها بعد أول نوبة جنون أصابتها، بعد أن علمت أن زوجها الأستاذ استولى على كامل حليها الذهبية وأخذ طفلها زايد وغادر المغرب دون أن يترك أية إشارة إلى مكان توجهه أو وجوده". و الملاحظ أن جنون هذه المرأة توجته بقطع ثديها، وهو فعل له دلالة رمزية قوية جدا، بحيث يُحيل إلى قطع الصلة مع العالم الرجالي من جهة ومع الإنجاب من جهة أخرى، خاصة إذا علمنا أن المولود يعيش علاقة انصهارية واندماجية مع الأم بفعل كونه يخرج من جسدها ويعود له بفعل الرضاعة. إن هذا القطع مع العالم الرجالي تتوحد حوله نسوة المجموعة ككل" حاولت للا رحمة أن تواسيها معبرة عن سخطها على الرجال كاملين" ص 67
إن قطع الأنثى لثديها يحيل مباشرة على أزلية الجرح الملازم لها فضلا عن كون هذا الفعل في حد ذاته، ينم عن شجاعة خاصة وإدانتها لزيف الذكورة و أعطاب المجتمع الأبيسي، فالاحتجاج هو الطريق الملكي نحو الحرية وإن كان على حساب تدمير الذات!
إن الوعي الحاد الذي تمتلكه الأنثى عن دونيتها وانسحاقها الاجتماعي ينحو أحيانا منحا نفعيا بهدف إخضاع الرجل لسيطرتها ونقصد بذلك تقديسها للجمال الاصطناعي مثلا حيث تتمرس على رسم وإبراز تضاريس جسدها وفق منطق الطلب، موظفة في ذلك المساحيق والعطور والألبسة وكل قنوات التواصل غير اللفظي بهدف إغراء الآخر، وإن كان على حساب تشييء الذات، وما دام الوجه هو فاتحة لكتاب الجسد، فإنه ينال أكبر قدر من الاهتمام حتى تبدو صاحبته مسايرة للموضة. فالعينين مثلا باعتبارهما نافذتين للجسد تريان ويرى من خلالهما انعكاس الحقيقة العميقة للكائن، تلقيان عناية فائقة، علما أن العين توصف عادة بكونها منطقة شهوانية لأنها تجلب لذة توازي التي يجلبها العضو الجنسي، فضلا عن اهتمام الأنثى بالشفاه الحمر المختزلة للعطش الجنسي والإثارة الجنسية.
وعموما فالجسد كحيز إيروتكي بامتياز يفرض تقابلا مفارقا على المرء: فكونه مصدر الخطيئة الأولى ومصدر اللذة الأبدية في ذات الآن، يجعل وعي الذات بهذا التقابل تعيش قلقا وحيرة وجودية إن لم نقل متاهة لا نهائية من الأسئلة الإشكالية الكبرى. لنتأمل القرائن السردية التالية" : وصلت السيارة باب فيلا باذخة، كان في استقبالهم رجل أسود أخاف هدى أما نادية فقدمت له شفتيها كبطاقة مرور للداخل ولكنه لم يكتف وحاول الحصول على المزيد فانفلتت منه بدلال مدركة إياه بموعدها عند الفجر، لم ترض هدى أن تقدم شفتيها، فما كان منه أن زمجر مهددا، عاودت نادية تقديم شفتيها بدلا عن هدى فاضطرت لوضع أحمر الشفاه الذي استنزفته التأشيرات" 10ص
إنه الجمال المزعوم المهدد بالمحو في أي لحظة، لذلك فالمساحيق في حاجة ماسة ودائمة لقوام رشيق يسنده، عند هذا المستوى يتم توظيف الجسد وفق لعبة الإخفاء والتجلي وبنية إرضاء الذات وإثارة الآخر، وإن كانت الأنا تعي تمام الوعي أنه جمال اصطناعي ومؤقت يدخل ضمن أنظومة اجتماعية توافقية يمكن نعتها بواجب اللياقة اللازمة تجاه الغير أو ما يسميه البعض بالكذب الأبيض. فالإغراء يشكل استراتيجية ملائمة للصراع، ولعبة تعني التظاهر بالعطاء مما يمنح الفرد لذة لا توصف لأنه في الواقع لا يعطي شيئا، وبذلك يكون الإغراء فن الرفض واللعب على الوعود بالعطاء تقول الساردة في ص7: "لم يكن لديها غير تنورة ضيقة حمراء لا يتجاوز عرضها الشبر إلا بقليل وقميص أحمر أيضا يدعو الناظر لتحسس ما يوجد تحته في تحد صارخ" وتضيف الساردة على لسان نادية في ص8 "كانت هي الأخرى تلبس فستانا طويلا لكنه ملتصق بكل جزء من جسدها ويوقظ كل فتنة نائمة، تزينه فتحة عميقة تكشف بخجل عن ردفين متناسقين". وإذا كان اللباس والعطر والمساحيق وسائط تواصلية غير لفظية تبث رسائل مختلفة المعاني، فإن حركات الجسد الأنثوي تمتلك معنا مضاعفا: فالرقص يمثل لها فعلا تنفسيا عن القهر والانسحاق، فضلا عن وظيفة الإثارة، فإنه يتخذ الجسد أشكالا مختلفة غير معهودة بل ويتيح لصاحبته وللآخر لوحات فرجوية وكأني بالجسد يستعيد حريته المسلوبة، وبالتالي حصوله على التوازن النفسي المفتقد. إن رقص الأنثى عموما يضيف لها سلطة إغراء إضافية بنية استنزاف الآخر، وليس أي آخر؛ أقصد ذلك الخليجي الذي وجد نفسه بين عشية وضحاها يرقد على جبال من البترودولار. وثروة تجاوزت حدود تفكيره ولم يجد مجالا لتوظيفها إلا تعذيب الآخر الفقير والمعوز. تقول الساردة :"عشرات الفتيات الجميلات وبنات حيـّها بينهن وقد تجرد بعضهن من اللباس يرقصن بمجون يثير الغثيان، حتى إذا تجمعت قطرات العرق على أجسادهن، ارتمين على الأرض حيث تناثرت أوراق نقدية سماوية اللون تحصل كل فتاة على كمية أوراق التي تلتصق بجسدها. إن مفردات الجسد في هذا المقام تتوزع بين الحركة والرقص كوسيطين لضمانها استمرار الحياة، فتوظيفه يفصح عن حب المال لا صاحبه وامتلاك المادة لا مالكها، وبذلك يشكل الوصف أعلاه أقصى درجات تمزق الأنثى وهي تبيع جسدها وعريه من أجل أن تعيش بدون خصوصية ولا حميمية. فالرقص الإجباري وبالشروط السابقة يتحول من لذة إلى ألم ومن تنفيس إلى كبت مضاعف.
وليس من باب الصدفة أن تختم القاصة مجموعتها بنص تجريبي يتحدث عن فعل الكتابة باعتباره يشكل خلاصا للأنثى من حالة القهر والصمت المفروضين عليها، وكأني بفدوى مساط تعيد للأذهان قصة شهرزاد التي حوّلت الحكاية إلى بلسم لجرح شهريار، معطلة بذلك فعل القتل كإجراء انتقامي مارسه الرجل كل صباح بدق عنق المرأة. تقول الساردة في ص86: "وهكذا كان بعد أقل من شهر فوجئت بقصة من قصصي الأربعة التي سلمتها له وقد نشرت ضمن ملحقه الثقافي" إنه وعي الأنثى بأن مفاتن الجسد فانية بخلاف لذة الحكي. ولعمري أن سحر الحكاية أبقى وأجمل نقط قوة الأنثى ولنا في قصص ألف ليلة وليلة أبلغ العبر..
محمد رمصيص، عن موقع دروب.
-إحـــالات
-1-فدوى مساط "شيء من الألم" مطبعة النجاح- جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب 2002.
-2- فاطمة المرنيسي "الجنس كهندسة اجتماعية بين النص والواقع" - ترجمة فاطمة الزهراء زريول. نشر الفنك ص 134.
-3- المرجع السابق نفسه ص 124.
المجموعة القصصية الفائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب
شقاء
28 July 2005
استيقظت خدوج قبل أن تكمل الشمس نشر ضفائرها على الوجود، أيقظها ذاك الإحساس الذي دأب على فض رموش عينيها يوميا قبل الشروق طوال الخمس وعشرين سنة الماضية.