ممنوع نقل أو إعادة نشر المقالات من الموقع دون إذن من الكاتبة. يمكن مراسلة الكاتبة على العنوان الإلكتروني fmassat@gmail.com

>> Home >> أخبار وتقارير

رغم مرور خمسة وعشرين عاما على وفاة والدتي إلا أن طيفها مازال حاضرا بقوة داخل منزلنا. صورها التي تملأ المكان وكتبها التي مازالت تحتل رفوف المكتبة العتيقة في غرفة نوم والدي وبعض ملابسها الملونة المعلقة في الخزانة... كل شيء مازال هنا كي يُذكـّر الجميع بشخصيتها الفاتنة... إلا أنا، فأنا لم أرى والدتي ولا أتذكر منها شيئا باستثناء الوصف الدقيق الذي كان والدي يسرده على مسامعي كلما سألته عن والدتي وعاداتها وأوصافها عندما كنت طفلة صغيرة.
والدي لم يغفر لي بعد، رغم مرور كل تلك السنوات، خطيئة التسبب في وفاة والدتي التي لفظت أنفاسها بينما كانت تمنحني الحياة في عملية ولادة قيصرية اضطر الأطباء إلى إنقاذي والتضحية بها. أخبرتني جدتي سنوات بعد ذلك أن أبي كان يعشق والدتي وطلب من الأطباء إنقاذ حياتها والتضحية بي لكنهم رفضوا طلبه وقالوا إن النزيف الداخلي الغزير سيتسبب في وفاة والدتي ولم يكن أمامهم خيار غير إنقاذ حياتي أنا.  
لكن التفسير الطبي الذي أُعطيَ لوالدي بعد ذلك وتأكيد الأطباء أنهم قاموا بمعجزة لإنقاذ حياتي وأن والدتي كانت قد غادرت الحياة عندما خرجتُ من رحمها لم تمنعه من كرهي وتحميلي مسؤولية وفاة المرأة التي أحب من أعماق قلبه...
وُلدت في مدينة الدار البيضاء لأب تاجر ناجح من أصل سوسي وأم أمازيغية من الأطلس يقول الجميع إنها كانت أجمل بنات جيلها على الإطلاق. يقولون إن والدي أحبها منذ أن وقع نظره عليها خلال زيارة خاطفة إلى تيموليلت. عشقها وأصر على الزواج منها رغم أن فارق السن كان كبيرا ورغم أن عائلتها اشترطت مهرا غاليا وكيلو من الذهب إلا أن والدي قدّم كل شيء من أجل أن يفوز بها. كان يعتبرها ثروته الحقيقية وكان يعشقها لدرجة الجنون. اشترى لها منزلا فخما في الدار البيضاء واستقدم ثلاث فتيات صغيرات لخدمتها من الأطلس وكان يُحوّل أحلامها إلى حقائق جميلة وعاش معها في سعادة غامرة إلى أن أسرّت له يوما بأنها حامل فلم تسعه الدنيا من الفرح. طلب منها أن تستلقي على ظهرها طوال شهور الحمل التسعة وكان كل أسبوع يحمل هدية في يده ويدخل عليها مبتسما سائلا عن حالتها الصحية إلى أن فاجأها المخاض فحملها إلى المستشفى وهناك كانت نهايتها وبدايتي أنا.
أشعرني والدي منذ الصغر بأنني كنت السبب في وفاة المرأة التي أحَب. منعني من دخول غرفتها في طفولتي وعندما كبرتُ واشتد عودي بدأ يطلب مني تسريح شعري بالطريقة نفسها التي كانت تسرح بها والدتي شعرها وعندما كنت أقوم بذلك، كان يكتفي بالنظر إلي لحظات قصيرة لا غير، قبل أن ينهرني طالبا مني تغيير تسريحة شعري من جديد والذهاب إلى غرفتي وعدم مغادرتها... عملتُ المستحيل كي أتقرب منه وأنال رضاه، وحاولتُ عبر اجتهادي في دراستي واستقامتي أن أجعله يغفر لي ويفخر بي كأب، تمنيتُ أن يغمرني بحنانه وعطفه لكنه كان دائما يصدني وينبذني ويجعلني أحس بذنب لم أقترفه.
بالأمس، أخبرني والدي بأنه قرر تزويجي من إبن شريكه في محل للأثواب. قالها بحزم وثقة مؤكدا أنه لن يسمح بالنقاش في هذا الموضوع. أعرف أن والدي يريد التخلص مني عبر هذا الزواج المُدبّر وأعرف أيضا أنني سأكون تعيسة جدا في زواجي، فأنا غير مستعدة للزواج بعد، وعلاقتي المضطربة مع والدي جعلتني أنفر من الذكور عموما ودائما ما كنت أتهرب من الحديث إليهم في الجامعة وفي الشارع...
لكن، رغم كل ذلك قررتُ أن أوافق على الزواج كي لا أبقى عبئا ثقيلا على كاهل والدي، وكي أدعه يسترجع ذكرياته الأليمة لوحده في هذا البيت الشاسع. قررتُ أن أوافق على الزواج رغم أنني أعرف مسبقا بأن زوجي سيملك جسدي ويقرر مصيري، لكن عقلي وقلبي سيبقيان هنا، في غرفتي مع ذكرياتي وآمالي التي لم تتحقق.
فدوى مساط
ركن "قصص من الواقع"
مجلة "نجمة" المغربية

المجموعة القصصية الفائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب

نشيج على كتف إله مزور!

8 July 2005

"أدمنتك وإن كنت لا أجرؤ على تكسير قيودك".

شقاء

28 July 2005

استيقظت خدوج قبل أن تكمل الشمس نشر ضفائرها على الوجود، أيقظها ذاك الإحساس الذي دأب على فض رموش عينيها يوميا قبل الشروق طوال الخمس وعشرين سنة الماضية.

ندبة

16 June 2005

مالت شمس متشحة بضباب برتقالي شفاف جهة الغرب، ثم اختفت خلف الجبال وبدأت أولى خيوط الظلام تلف المدينة وتمسح الظلال من الوجود. المدينة عائمة في صمتها الأزلي، تلبس بياض دُورها الناصعة وكأنها في حداد دائم.