>> Home >> أخبار وتقارير
ساعدني يا إلهي
ساعدني يا إلهي
فجأة، غمر ضوء باهر الغرفة التي كنت أرقد فيها وعجزتُ عن فتح عيني لوقت طويل. استسلمتُ للخدر الذي كان يسري في عروقي وللتعب الكبير الذي شل عضلاتي وجعلني أحس وكأن آلة ضخمة طحنت جسدي...
بدأتُ أستعيد وعيي شيئا فشيئا ومعه استعدتُ ذاكرتي أيضا. نظرت من حولي ورأيت الممرضة التي أدخلتني غرفة العمليات هذا الصباح. كانت تبستم وسألتني هل تعرفين ما هو اسمك؟ تمتمت بتعب شديد "فدوى". قالت Good وابتسمتْ مرة أخرى وهنأتني على نجاح العملية. بعد ذكرها لكلمة "العملية" اجتاحتني مشاعر متضاربة دفعتني لتحسس بطني بحزن. تذكرتُ حينها كل شيء ولم أستطع منع دموعي من الانهمار بعدما أدركتُ أن الانتفاخ الذي كان يميز بطني خلال الأسابيع الماضية اختفى. بكيت بصمت. كنت أنظر إلى الأجهزة الكثيرة والمعقدة التي تحيط بي وأبكي حسرة على الطفل الذي فقدته خلال العملية...
تذكرت اللحظة التي أعلنت فيها الدكتورة رايان بصوت خفيض وفاة الجنين الذي كنت أستعد في اليوم نفسه للاحتفال ببلوغه الشهر الثالث! تذكرت ردّي المستنكر وغير المصدق والشهقة التي أعقبت استفهامي بالإنجليزية What?
كنت ممددة على سرير الفحص فرفعت رأسي مصعوقة وكررت مرة أخرى What? لم آبه ساعتها لارتباك الدكتورة التي لم تدر ما تقول... استدرتُ ناحية زوجي الذي كان يرتجف من هول الصدمة ودفنتُ وجهي في صدره وأطلقت العنان لدموعي. اعتذرت الدكتورة بأدب وقالت إنها ستتركنا لبرهة قبل أن تعود لتشرح لنا التداعيات الطبية للحادث.
قمتُ من على طاولة التشخيص والتصقتُ بزوجي الذي كان يذرف دموعه بصمت كذلك وبكينا معا. لم نقل شيئا ولم ننبس بكلمة واحدة، فقط ضمني إليه وربت على شعري بيد وأخذ أناملي بيده الأخرى ووضعها على شفتيه... بقينا كذلك إلى أن عادت الدكتورة رايان حاملة معها ملفا طبيا ضخما وطلبت مني الخضوع لعملية إجهاض عاجلة حتى لا أتعرض لنزيف داخلي وخيرتني بين الانتظار لمدة أربعة أيام حتى أتقبل الأمر نفسيا أو أن أجريها في اليوم الموالي.
لم أستطع الرد حينها. تمتمتُ بوهن شديد بأنني أريد الذهاب إلى بيتي وبأنني لا أستطيع اتخاذ القرار حينها، فحمل زوجي حقيبتي وساعدني على قطع الممر الطويل في عيادة الدكتورة والذهاب إلى البيت. عندما وصلنا ركضتُ مسرعة إلى غرفة النوم وأقفلت الباب خلفي. أخبرت زوجي بأنني أريد البقاء وحيدة لفترة فاحترم رغبتي وانزوى هو في غرفة المكتب يبكي وحيدا. وقفتُ عارية أمام المرآة في غرفة نومي ووضعت يدي على بطني وتساءلت بألم كبير "لماذا؟" ضربتُ على بطني وأحسست بأنها خذلتني عندما قست على جنيني ولم تحمه كي يعيش حتى الشهر التاسع ويخرج إلى الحياة طفلا مليئا بالصحة والشقاوة... استغربتُ حينها كل هذا الألم الذي يعصف بي بسبب فقداني لجنيني رغم أنني لم أتخيل نفسي يوما امرأة حامل. كنت دائما أجلس في غرفتي الصغيرة ببيت والديّ وأحلم بأنني سأكون صحفية جريئة وكاتبة مشاغبة وامرأة متمردة... تخيلت كل الأشياء التي يمكن أن أقوم بها في المستقبل لكنني لسبب ما، لم أتخيل نفسي يوما حامل أو لدي أطفال. كنت أحس دائما بأنني أشبعت أحاسيس الأمومة لدي عبر الاعتناء بنور عيني "بثينة" و"شيماء" طفلتا شقيقتي. لم أشعر بالغيرة أبدا من صديقاتي اللائي كن حامل أو رزقن بأطفال خلال الفترة الماضية، فقد كنت أحس دائما بأنني أما حقيقة وفعلية لفتاتين رائعتين... لكن الجنين الذي تحرك في أحشائي قبل ثلاثة أشهر، جعلني أتذوق مشاعر مختلفة لم أعرفها من قبل رغم أنني لم أكن متلهفة على الإنجاب أبدا...
كل تلك المشاعر والذكريات والقرارات دارت برأسي وأنا أقف أمام المرآة أنظر إلى بطني المكورة الناتئة وأبكي بحرقة. ارتميت على السرير وبكيت بصوت عال... بكيت إلى أن خارت قواي واستسلمت لغفوة قصيرة. استفقت بعدها على صوت بكاء زوجي وحيدا في غرفة المكتب. أحسستُ بالذنب لأن المصاب جلل لكلينا. في الحقيقة، الخبر قاس عليه أكثر مني أنا لأنه تعلق بالجنين وأحبه لدرجة جنونية... ذهبت إلى زوجي وعانقته وحاولت التخفيف عنه وذكرته بأن الله كتب علينا ما كتب لامتحاننا. قلت بنبرة مستسلمة إن الله منحنا الجنين وهو من أخذه قبل حتى أن يكمل شهره الثالث وإن الله رحمنا وكتب علينا ما حصل وعلينا الخضوع لمشيئته... قلت كل ذلك بإيمان كبير خفف عنا وطأة الحزن وجعلنا نصمت بقية اليوم عن الكلام...
كل هذه الصور هجمت على ذاكرتي دفعة واحدة وأنا راقدة في فراشي داخل غرفة نظيفة مليئة بالأجهزة الطبية والإلكترونية المعقدة في Shady Grove Adventist Hospital بضواحي العاصمة الأميركية واشنطن.
عادت الممرضة التي كانت تراقب أداء الأجهزة الموصولة بجسدي وقاست ضغطي ودقات قلبي وقالت بابتسامة متعاطفة "حالتك ممتازة الآن.. سنخرجك من غرفة العناية المركزة ونأخذك إلى غرفتك الخاصة كي ترتاحي، فزوجك المسكين يكاد يفقد عقله هناك". ابتسمتُ بوهن واستسلمتُ لها. دفعت السرير الذي كنت أستلقي عليه وقادتني عبر ردهة باردة جدا ومضاءة إلى أن أدخلتني غرفة صغيرة كان زوجي ينتظرني فيها. بدا المسكين منهارا لكنه ابتسم وقفز نحو سريري وضم أناملي بين يديه ولثمها برقة. نظرنا إلى بعضنا بحنان كبير وقلنا في وقت متزامن "الحمد لله على كل شيء".
قررتُ في هذه اللحظة ألا أدع هذا الألم يعتصر قلبي لفترة طويلة وأن أتغلب على هذه المحنة بإرادة صلبة، كما فعلتُ دائما في مواجهة الصعاب في حياتي. رفعتُ عيني إلى فوق راجية من العلي القدير أن يمنحني القوة والإرادة كي أفعل ذلك وطلبت منه أن يظللني برحمته ويشملني بعدله وألا يتخلى عني وعن زوجي وعائلتي في هذه الأوقات الصعبة لأننا نحتاجه أكثر من أي وقت مضى. آمين.
فجأة، غمر ضوء باهر الغرفة التي كنت أرقد فيها وعجزتُ عن فتح عيني لوقت طويل. استسلمتُ للخدر الذي كان يسري في عروقي وللتعب الكبير الذي شل عضلاتي وجعلني أحس وكأن آلة ضخمة طحنت جسدي...
بدأتُ أستعيد وعيي شيئا فشيئا ومعه استعدتُ ذاكرتي أيضا. نظرت من حولي ورأيت الممرضة التي أدخلتني غرفة العمليات هذا الصباح. كانت تبستم وسألتني هل تعرفين ما هو اسمك؟ تمتمت بتعب شديد "فدوى". قالت Good وابتسمتْ مرة أخرى وهنأتني على نجاح العملية. بعد ذكرها لكلمة "العملية" اجتاحتني مشاعر متضاربة دفعتني لتحسس بطني بحزن. تذكرتُ حينها كل شيء ولم أستطع منع دموعي من الانهمار بعدما أدركتُ أن الانتفاخ الذي كان يميز بطني خلال الأسابيع الماضية اختفى. بكيت بصمت. كنت أنظر إلى الأجهزة الكثيرة والمعقدة التي تحيط بي وأبكي حسرة على الطفل الذي فقدته خلال العملية...
تذكرت اللحظة التي أعلنت فيها الدكتورة رايان بصوت خفيض وفاة الجنين الذي كنت أستعد في اليوم نفسه للاحتفال ببلوغه الشهر الثالث! تذكرت ردّي المستنكر وغير المصدق والشهقة التي أعقبت استفهامي بالإنجليزية What?
كنت ممددة على سرير الفحص فرفعت رأسي مصعوقة وكررت مرة أخرى What? لم آبه ساعتها لارتباك الدكتورة التي لم تدر ما تقول... استدرتُ ناحية زوجي الذي كان يرتجف من هول الصدمة ودفنتُ وجهي في صدره وأطلقت العنان لدموعي. اعتذرت الدكتورة بأدب وقالت إنها ستتركنا لبرهة قبل أن تعود لتشرح لنا التداعيات الطبية للحادث.
قمتُ من على طاولة التشخيص والتصقتُ بزوجي الذي كان يذرف دموعه بصمت كذلك وبكينا معا. لم نقل شيئا ولم ننبس بكلمة واحدة، فقط ضمني إليه وربت على شعري بيد وأخذ أناملي بيده الأخرى ووضعها على شفتيه... بقينا كذلك إلى أن عادت الدكتورة رايان حاملة معها ملفا طبيا ضخما وطلبت مني الخضوع لعملية إجهاض عاجلة حتى لا أتعرض لنزيف داخلي وخيرتني بين الانتظار لمدة أربعة أيام حتى أتقبل الأمر نفسيا أو أن أجريها في اليوم الموالي.
لم أستطع الرد حينها. تمتمتُ بوهن شديد بأنني أريد الذهاب إلى بيتي وبأنني لا أستطيع اتخاذ القرار حينها، فحمل زوجي حقيبتي وساعدني على قطع الممر الطويل في عيادة الدكتورة والذهاب إلى البيت. عندما وصلنا ركضتُ مسرعة إلى غرفة النوم وأقفلت الباب خلفي. أخبرت زوجي بأنني أريد البقاء وحيدة لفترة فاحترم رغبتي وانزوى هو في غرفة المكتب يبكي وحيدا. وقفتُ عارية أمام المرآة في غرفة نومي ووضعت يدي على بطني وتساءلت بألم كبير "لماذا؟" ضربتُ على بطني وأحسست بأنها خذلتني عندما قست على جنيني ولم تحمه كي يعيش حتى الشهر التاسع ويخرج إلى الحياة طفلا مليئا بالصحة والشقاوة... استغربتُ حينها كل هذا الألم الذي يعصف بي بسبب فقداني لجنيني رغم أنني لم أتخيل نفسي يوما امرأة حامل. كنت دائما أجلس في غرفتي الصغيرة ببيت والديّ وأحلم بأنني سأكون صحفية جريئة وكاتبة مشاغبة وامرأة متمردة... تخيلت كل الأشياء التي يمكن أن أقوم بها في المستقبل لكنني لسبب ما، لم أتخيل نفسي يوما حامل أو لدي أطفال. كنت أحس دائما بأنني أشبعت أحاسيس الأمومة لدي عبر الاعتناء بنور عيني "بثينة" و"شيماء" طفلتا شقيقتي. لم أشعر بالغيرة أبدا من صديقاتي اللائي كن حامل أو رزقن بأطفال خلال الفترة الماضية، فقد كنت أحس دائما بأنني أما حقيقة وفعلية لفتاتين رائعتين... لكن الجنين الذي تحرك في أحشائي قبل ثلاثة أشهر، جعلني أتذوق مشاعر مختلفة لم أعرفها من قبل رغم أنني لم أكن متلهفة على الإنجاب أبدا...
كل تلك المشاعر والذكريات والقرارات دارت برأسي وأنا أقف أمام المرآة أنظر إلى بطني المكورة الناتئة وأبكي بحرقة. ارتميت على السرير وبكيت بصوت عال... بكيت إلى أن خارت قواي واستسلمت لغفوة قصيرة. استفقت بعدها على صوت بكاء زوجي وحيدا في غرفة المكتب. أحسستُ بالذنب لأن المصاب جلل لكلينا. في الحقيقة، الخبر قاس عليه أكثر مني أنا لأنه تعلق بالجنين وأحبه لدرجة جنونية... ذهبت إلى زوجي وعانقته وحاولت التخفيف عنه وذكرته بأن الله كتب علينا ما كتب لامتحاننا. قلت بنبرة مستسلمة إن الله منحنا الجنين وهو من أخذه قبل حتى أن يكمل شهره الثالث وإن الله رحمنا وكتب علينا ما حصل وعلينا الخضوع لمشيئته... قلت كل ذلك بإيمان كبير خفف عنا وطأة الحزن وجعلنا نصمت بقية اليوم عن الكلام...
كل هذه الصور هجمت على ذاكرتي دفعة واحدة وأنا راقدة في فراشي داخل غرفة نظيفة مليئة بالأجهزة الطبية والإلكترونية المعقدة في Shady Grove Adventist Hospital بضواحي العاصمة الأميركية واشنطن.
عادت الممرضة التي كانت تراقب أداء الأجهزة الموصولة بجسدي وقاست ضغطي ودقات قلبي وقالت بابتسامة متعاطفة "حالتك ممتازة الآن.. سنخرجك من غرفة العناية المركزة ونأخذك إلى غرفتك الخاصة كي ترتاحي، فزوجك المسكين يكاد يفقد عقله هناك". ابتسمتُ بوهن واستسلمتُ لها. دفعت السرير الذي كنت أستلقي عليه وقادتني عبر ردهة باردة جدا ومضاءة إلى أن أدخلتني غرفة صغيرة كان زوجي ينتظرني فيها. بدا المسكين منهارا لكنه ابتسم وقفز نحو سريري وضم أناملي بين يديه ولثمها برقة. نظرنا إلى بعضنا بحنان كبير وقلنا في وقت متزامن "الحمد لله على كل شيء".
قررتُ في هذه اللحظة ألا أدع هذا الألم يعتصر قلبي لفترة طويلة وأن أتغلب على هذه المحنة بإرادة صلبة، كما فعلتُ دائما في مواجهة الصعاب في حياتي. رفعتُ عيني إلى فوق راجية من العلي القدير أن يمنحني القوة والإرادة كي أفعل ذلك وطلبت منه أن يظللني برحمته ويشملني بعدله وألا يتخلى عني وعن زوجي وعائلتي في هذه الأوقات الصعبة لأننا نحتاجه أكثر من أي وقت مضى. آمين.
فدوى مساط
ركن "قصص من الواقع"
مجلة "نجمة" المغربية
المجموعة القصصية الفائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب
شقاء
28 July 2005
استيقظت خدوج قبل أن تكمل الشمس نشر ضفائرها على الوجود، أيقظها ذاك الإحساس الذي دأب على فض رموش عينيها يوميا قبل الشروق طوال الخمس وعشرين سنة الماضية.