>> Home >> أخبار وتقارير
الجبانة
لا أكاد أصدق أن جميع الأحلام التي كنت أشيّد بحب شديد وأنا صغيرة ستتبخر هذا الأسبوع. ولا أستطيع أن أصدق بأنني استسلمتُ لإرادة عائلتي بهذه الطريقة الجبانة دون مقاومة ودون حتى تهديد. أنظر إلى والدتي وهي تتصل بأفراد العائلة المنتشرين بين مدن المغرب لدعوتهم لحفل زفافي، باستغراب كبير. وأشاهد كل تلك الملابس الجديدة الملونة التي تحضرها شقيقتي وتقيسها علي دون أن أشعر بأي إحساس تقريبا. أتحاشى تماما الدخول في النقاش الذي يبدأه شقيقي الأكبر حول تفاصيل حفل الزفاف ولائحة الأكل والساعة التي سيبدأ فيها الحفل والساعة التي سينتهي فيها...
تكتفي والدتي بالتربيت على شعري مرات في اليوم وتقول لي بصوت خافت وكأنها تخاف أن يسمعها أحد "غادي تكوني عروسة زوينة وامرة حادكة... ما شاء الله" وأحيانا تأخذني شقيقتي إلى غرفة الضيوف كي تأخذ مقاسات مناطق معينة من جسدي فتنسى ربما محظورات البيت وتضمني إلى صدرها وتقول "مسكينة مازالة صغيرة والوا" وأحس بدموعها الباردة تـُبلّل ياقة قميصي لكنها تدفعني عنها بسرعة وتمرر كفها على وجهها تمسح آثار الدموع وتعود لأخذ المقاسات من جديد...
أتابع كل ما يجري حولي باندهاش وأحاسيس أخرى لا أفهمها بل تباغتني هكذا دون استئذان وتغيظني لشدة ما تملك علي مشاعري وتجعلني أنزوي في غرفتي لساعات طويلة.
الكل في بيتي قرر أنه حان وقت زواجي والكل اختار الشخص الذي يراه مناسبا لي حسب شروط مادية ومعنوية معينة، والكل يساهم في تحضيرات الزواج بالتزام شديد لكن دون حماس. لم أملك يوما الشجاعة الكافية كي أرفض قرارات أسرتي، فهي من حدّدت المدارس التي تتلمذتُ فيها وهي من اختارت الجامعة التي لم أكد أنجح في سنتها الأولى حتى قرر والدي منعي من متابعة الدراسة فيها خوفا علي كما قال من الاختلاط مع بنات السوء... شقيقي الأكبر من حدّد مواصفات الزوج الذي يجب أن أقضي معه باقي سنوات عمري وشقيقتي هي من تقرّر أي نوع من اللباس سأرتدي ليلة عرسي ودخلتي وحتى في بيتي... الكل كان يقرر عني حياتي ولم أملك الجرأة يوما كي أصرخ في وجوههم بكل الحنق والغضب والألم الذين ترسبوا في قلبي طوال هذه السنوات الماضية. أسرتي كانت تعتقد دائما بأنها تحميني، ممن ومن ماذا؟ لست أدري. لكنها زرعت رعبا دفينا في قلبي من كل شيء. منذ أن كنت طفلة صغيرة منعتُ من اللعب مع أولاد الجيران وفي مراهقتي منعتُ من ربط علاقة صداقة مع فتيات من قسمي ومن سني ومن نفس الحي الذي أقطن فيه. لن أنسى أبدا يوم دقت زميلة في فصلي باب بيتنا كي تطلب مني كراسة المدرسة. فتحت والدتي الباب وصوّبت باتجاهها نظرات نارية، وسألتها بقسوة "شنو بغيتي؟" أتذكر صوت زميلتي المرتجف وهي تحاول أن تنطق اسمي لكن والدتي عاجلتها بغلظة "شوفي الله يخليك عمرك ماباقي تدقي علي بابي، بنتي ما عندهاش الصحابات خلليكي بعيدة على بنتي باش ما ندخلوش للعيب..." لم أستطع سماع باقي كلام والدتي لأنني هربتُ إلى غرفتي وأخفيت نفسي فيها طوال اليوم. أحسستُ بالخزي وبالعار وعرفتُ أن وحدتي في المدرسة ستطول وتتعمق بسبب ما ستحكيه تلك الزميلة لباقي القسم عن والدتي... أتذكر بخجل أيضا مرافقة شقيقي لي إلى حمام الحي الذي لا يبعد سوى خطوات. كان أولاد الجيران ينظرون إلي بسخرية وهم يرونني أسارع الخطو خلف شقيقي الذي يصر على مرافقتي حتى باب الحمّام والعودة عند انتهائي من الغسل كي يصحبني إلى البيت. كنتُ أسترق النظر لأولاد وبنات الجيران وأحسدهم على حريتهم التي تخولهم الوقوف للسلام على بعضهم البعض وتبادل الأحاديث وأحيانا الضحك بصوت عال فيما بينهم...
هكذا كانت حياتي دائما، الكل يتحكم فيها ويرسم خطواتها وما علي فعله وما علي تجنبه ولبسه وأكله والقيام به... لاشيء تغير اليوم فهم من قرروا موعد الزواج ومكانه وهم من وافقوا على الزوج الذي لم أره لحد الآن. لكن هذه المرة هناك شيئ ما في داخلي قد تغير. هناك إحساس متعاظم بالسخط والقهر يكبر داخل صدري وأحاول كبته بالتظاهر بالرضوخ والاستسلام لكنني أعرف أن ذاك الإحساس يتحول يوما بعد يوم إلى مارد جبار يلتهم السعادة من حياتي ويدفعني للبكاء ساعات طويلة في حمام بيتي الذي أقفله علي دون أن يشعر بي أحد من أفراد عائلتي، فالكل منشغل برسم تفاصيل حياتي القادمة وبتحديد ملامحها حتى الأكثر حميمية منها.
هل سأبقى جبانة هكذا إلى الأبد؟ هل سأقبل بهذا الزوج الكريه الذي سيشتريني من أهلي دون حتى سؤالي عن رأيي فيه وما إذا كنت موافقة عليه؟ هل أستسلم كما استسلمتُ طوال السنوات الثلاثة والعشرين التي مرت من حياتي رمادية دون ألوان، دون شقاوة ودون تذوق مسرات الحياة مثل باقي البنات في عمري؟
تحاصرني كل هذه الأسئلة منذ مدة وأحاول أن أدفع نفسي كي أذهب لوالدتي وأخبرها بأنني لا أريد الزواج الآن وبأنني حلمتُ دائما بمتابعة دراساتي العليا والحصول على الدكتوراه وبأنني خجولة جدا ولا أتخيل نفسي مع رجل في غرفة مغلقة حتى لو كان زوجي..
بالأمس، طرقتُ باب غرفة والدتي ودخلت. كانت مستلقية على سريرها المنخفض البسيط. جلستُ إلى جانبها وحاولت الاعتراف بكل ما في صدري من ألم ورفض لهذا الزواج وهذا المصير، لكنها ما إن رفعت عينيها إلى وجهي وحدقت بي حتى فقدتُ جرأتي تماما وأصبتُ بالرعب. طلبتْ مني التوجه إلى غرفة شقيقتي كي أجرب بعض الفساتين التي سأرتدي في بيت زوجي بعد العرس. طأطأتُ رأسي ووافقتْ. نظرتُ إلى وجهي في المرآة المعلقة عند مدخل غرفة والدتي وقلتُ لنفسي بحنق "جبانة". امتقع وجهي أكثر وهرولتُ إلى غرفة شقيقتي واستسلمتُ لها بصمت وخنوع.
تكتفي والدتي بالتربيت على شعري مرات في اليوم وتقول لي بصوت خافت وكأنها تخاف أن يسمعها أحد "غادي تكوني عروسة زوينة وامرة حادكة... ما شاء الله" وأحيانا تأخذني شقيقتي إلى غرفة الضيوف كي تأخذ مقاسات مناطق معينة من جسدي فتنسى ربما محظورات البيت وتضمني إلى صدرها وتقول "مسكينة مازالة صغيرة والوا" وأحس بدموعها الباردة تـُبلّل ياقة قميصي لكنها تدفعني عنها بسرعة وتمرر كفها على وجهها تمسح آثار الدموع وتعود لأخذ المقاسات من جديد...
أتابع كل ما يجري حولي باندهاش وأحاسيس أخرى لا أفهمها بل تباغتني هكذا دون استئذان وتغيظني لشدة ما تملك علي مشاعري وتجعلني أنزوي في غرفتي لساعات طويلة.
الكل في بيتي قرر أنه حان وقت زواجي والكل اختار الشخص الذي يراه مناسبا لي حسب شروط مادية ومعنوية معينة، والكل يساهم في تحضيرات الزواج بالتزام شديد لكن دون حماس. لم أملك يوما الشجاعة الكافية كي أرفض قرارات أسرتي، فهي من حدّدت المدارس التي تتلمذتُ فيها وهي من اختارت الجامعة التي لم أكد أنجح في سنتها الأولى حتى قرر والدي منعي من متابعة الدراسة فيها خوفا علي كما قال من الاختلاط مع بنات السوء... شقيقي الأكبر من حدّد مواصفات الزوج الذي يجب أن أقضي معه باقي سنوات عمري وشقيقتي هي من تقرّر أي نوع من اللباس سأرتدي ليلة عرسي ودخلتي وحتى في بيتي... الكل كان يقرر عني حياتي ولم أملك الجرأة يوما كي أصرخ في وجوههم بكل الحنق والغضب والألم الذين ترسبوا في قلبي طوال هذه السنوات الماضية. أسرتي كانت تعتقد دائما بأنها تحميني، ممن ومن ماذا؟ لست أدري. لكنها زرعت رعبا دفينا في قلبي من كل شيء. منذ أن كنت طفلة صغيرة منعتُ من اللعب مع أولاد الجيران وفي مراهقتي منعتُ من ربط علاقة صداقة مع فتيات من قسمي ومن سني ومن نفس الحي الذي أقطن فيه. لن أنسى أبدا يوم دقت زميلة في فصلي باب بيتنا كي تطلب مني كراسة المدرسة. فتحت والدتي الباب وصوّبت باتجاهها نظرات نارية، وسألتها بقسوة "شنو بغيتي؟" أتذكر صوت زميلتي المرتجف وهي تحاول أن تنطق اسمي لكن والدتي عاجلتها بغلظة "شوفي الله يخليك عمرك ماباقي تدقي علي بابي، بنتي ما عندهاش الصحابات خلليكي بعيدة على بنتي باش ما ندخلوش للعيب..." لم أستطع سماع باقي كلام والدتي لأنني هربتُ إلى غرفتي وأخفيت نفسي فيها طوال اليوم. أحسستُ بالخزي وبالعار وعرفتُ أن وحدتي في المدرسة ستطول وتتعمق بسبب ما ستحكيه تلك الزميلة لباقي القسم عن والدتي... أتذكر بخجل أيضا مرافقة شقيقي لي إلى حمام الحي الذي لا يبعد سوى خطوات. كان أولاد الجيران ينظرون إلي بسخرية وهم يرونني أسارع الخطو خلف شقيقي الذي يصر على مرافقتي حتى باب الحمّام والعودة عند انتهائي من الغسل كي يصحبني إلى البيت. كنتُ أسترق النظر لأولاد وبنات الجيران وأحسدهم على حريتهم التي تخولهم الوقوف للسلام على بعضهم البعض وتبادل الأحاديث وأحيانا الضحك بصوت عال فيما بينهم...
هكذا كانت حياتي دائما، الكل يتحكم فيها ويرسم خطواتها وما علي فعله وما علي تجنبه ولبسه وأكله والقيام به... لاشيء تغير اليوم فهم من قرروا موعد الزواج ومكانه وهم من وافقوا على الزوج الذي لم أره لحد الآن. لكن هذه المرة هناك شيئ ما في داخلي قد تغير. هناك إحساس متعاظم بالسخط والقهر يكبر داخل صدري وأحاول كبته بالتظاهر بالرضوخ والاستسلام لكنني أعرف أن ذاك الإحساس يتحول يوما بعد يوم إلى مارد جبار يلتهم السعادة من حياتي ويدفعني للبكاء ساعات طويلة في حمام بيتي الذي أقفله علي دون أن يشعر بي أحد من أفراد عائلتي، فالكل منشغل برسم تفاصيل حياتي القادمة وبتحديد ملامحها حتى الأكثر حميمية منها.
هل سأبقى جبانة هكذا إلى الأبد؟ هل سأقبل بهذا الزوج الكريه الذي سيشتريني من أهلي دون حتى سؤالي عن رأيي فيه وما إذا كنت موافقة عليه؟ هل أستسلم كما استسلمتُ طوال السنوات الثلاثة والعشرين التي مرت من حياتي رمادية دون ألوان، دون شقاوة ودون تذوق مسرات الحياة مثل باقي البنات في عمري؟
تحاصرني كل هذه الأسئلة منذ مدة وأحاول أن أدفع نفسي كي أذهب لوالدتي وأخبرها بأنني لا أريد الزواج الآن وبأنني حلمتُ دائما بمتابعة دراساتي العليا والحصول على الدكتوراه وبأنني خجولة جدا ولا أتخيل نفسي مع رجل في غرفة مغلقة حتى لو كان زوجي..
بالأمس، طرقتُ باب غرفة والدتي ودخلت. كانت مستلقية على سريرها المنخفض البسيط. جلستُ إلى جانبها وحاولت الاعتراف بكل ما في صدري من ألم ورفض لهذا الزواج وهذا المصير، لكنها ما إن رفعت عينيها إلى وجهي وحدقت بي حتى فقدتُ جرأتي تماما وأصبتُ بالرعب. طلبتْ مني التوجه إلى غرفة شقيقتي كي أجرب بعض الفساتين التي سأرتدي في بيت زوجي بعد العرس. طأطأتُ رأسي ووافقتْ. نظرتُ إلى وجهي في المرآة المعلقة عند مدخل غرفة والدتي وقلتُ لنفسي بحنق "جبانة". امتقع وجهي أكثر وهرولتُ إلى غرفة شقيقتي واستسلمتُ لها بصمت وخنوع.
فدوى مساط
ركن "قصص من الواقع"
مجلة "نجمة" المغربية
المجموعة القصصية الفائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب
شقاء
28 July 2005
استيقظت خدوج قبل أن تكمل الشمس نشر ضفائرها على الوجود، أيقظها ذاك الإحساس الذي دأب على فض رموش عينيها يوميا قبل الشروق طوال الخمس وعشرين سنة الماضية.