>> Home >> أخبار وتقارير
حرة أخيرا
وأخيرا تمكنت من كسر القيود التي دمرت حياتي لسنوات. وأخيرا استطعت أن أهرب من الجحيم الذي عشته لأكثر من عشر سنوات. عشر سنوات مليئة بالألم والقهر والدموع مرت ببطء شديد كنت أعيشه بعذاب وأتطلع لليوم الذي سأتخلص منه لكنني فعلتها اليوم، تركت كل شيء خلفي وجمعت بقايا كرامتي وقفلت الباب. عشت مع زوج ناكر للجميل، تزوجته بعد قصة حب قصيرة في الثانوية. كنت كأية مراهقة حالمة أرى فيه الدنجوان الذي سيملأ حياتي سعادة وحنانا... كنت متلهفة لليوم الذي سيجمعنا كعروسين وبدأت أخطط لكل تفاصيل حياتي القادمة معه. سألت أصدقاءه عن هواياته المفضلة وأغانيه المحببة والأفلام التي لا يمل من مشاهدتها حتى أقتنيها وأضعها في غرفة النوم التي ستتوج حبنا معا، تقربت من شقيقته الوحيدة وأمطرتها بالهدايا كي تبوح لي بأسرار الأطباق التي يشتهيها ونفذت جميع رغباتها كي تتحدث عني بشكل إيجابي أمامه... كان الرجل الذي انتظرت حبه بكل شغف وصبر إلى أن جاء اليوم الذي كاد يغمى علي فيه من الفرح. اتصلت بي شقيقته وقالت إنه فاتح والدته في موضوع التقدم لخطبتي وأن الجميع في أسرته المحافظة موافق على زواجنا رغم صغر سننا. لم أكد أصدق الخبر وطرت إلى والدتي في المطبخ وأخبرتها أن هناك شابا سيتقدم لخطبتي ولم أفهم تقطيبة جبينها الغاضبة ولا لويها لشفتيها تبرما قبل أن تحذرني "راكي باقية صغيرة آشمن زواج كتهضري عليه. كملي قرايتك بعدا ويحلها مولانا". كان جوابها أقسى مما كنت أتوقع وكان اندفاعي أقوى من أن تحبطه كلماتها لهذا أعلنت الحرب عليها وعلى والدي وباقي إخوتي الذين طالبوني بالتروي وإنهاء دراستي.
رغم أنف الجميع، تزوجت زهير. كان واضحا خلال مراسيم حفل الزفاف المتواضع أن عائلتي غير موافقة فالابتسامات الباهتة على الشفاه والسلام الفاتر على المدعوين وحتى الأكل البارد التي تم تقديمه في العشاء كانت إشارات لا تخطؤها رادات أحد، حتى زهير لاحظ ذلك لكنه تجاهل الأمر حينذاك وأصر على إظهار فرحه بالفوز بي لدرجة أنني صدقت بأنه يبادلني مشاعر الحب نفسها وبأنه سعيد بالزواج بي، لكن ذلك كله انهار بعد أول شهر من الزواج... ثالث جمعة لنا مع بعض، عندما انفض الحفل وذهب كل إلى حال سبيله واستقرينا مع بعض في غرفة ضيقة بحي شعبي استأجرناها مع بعض رغبة منا في توفير المصاريف حتى يتمكن هو من متابعة دراسته الجامعية بينما أعمل أنا في صالون حلاقة لأنه منعني من متابعة دراستي الجامعية وفرض علي ارتداء الحجاب وقال بأنني يجب أن أتفرغ له بالكامل... لن أنسى أبدا صدى الصفعة التي سددها لوجهي حتى انقلبتُ على ظهري من هول المفاجأة والرعب.
قد أنسى يوما الألم النفسي الذي سببته لي الصفعة، لكنني لن أنسى أبدا الصدى الذي أحدثته الصفعة في فضاء الغرفة المتهالكة، ولن أنسى أبدا أن السبب كان عدم رضاه عن مذاق الكسكس الذي جهزته فرحا كأول وجبة تقليدية فخمة أجهزها له بيدي! أتذكر جيدا أنني يومها رفضت إحضار الكسكس من بيت والدتي كما عرضت علي شقيقتي وأصريت على تحضير الكسكس بنفسي، عربون محبة وعلامة "حداكة" مني، لكنني لم أتخيل أنه سيكافؤني بتلك الطريقة. كانت الصفعة مجرد جرعة صغيرة من مشروب العذاب المُر الذي أذاقني إياه لمدة عشر سنوات تناوب فيها على اغتصابي كلما رفضت الاستسلام لنزواته التي تنتابه فجرا بعدما يكون قد فقد عقله بقنينات الخمرة الرخيصة التي يقتنيها من الكراب الذي يكتري الغرفة المجاورة لنا. عشر سنوات من العنف الذي تسبب في جروح نفسية لن تندمل أبدا وفي إسقاطي لجنينين على مدى خمس سنوات بينما عملت في السنوات الخمس المتبقية على أخذ موانع الحمل دون علمه لأنني علمت في السنة الخامسة وبعد إجهاضي الثاني بأنني لا أرغب في أن أحمل بذرته في أحشائي، لكنني لم أملك الجرأة على تركه إلا بعد خمس سنوات أخرى. تحول الشاب الوسيم الذي عشقته طوال سنوات دراستي الثانوية إلى رجل قاسي القلب، متحجر المشاعر، حمّلني مسؤولية فشله في إتمام دراسته الجامعية وانتقم من كل جزء من جسدي بالعنف الذي كان يلجأ إليه كلما فشل في اقتحام قلعة الصمت التي سجنت نفسي فيها بعد إجهاضي. انتقم من رفض أسرتي له وكان كلما انتهى من نوبة تعذيبي الجسدية يبصق على وجهي قائلا "باش نوري لموك شنو كنسوى. ما رضاوش بيا ديك الساعة إيوا يرضاو بيا دابا وبسيف على دين مهوم"!
رفضت أن أبوح بسري لأي أحد، كنت أضمد جراحي وحيدة في البيت ولا أخرج حتى تختفي الهالات الزرقاء والحمراء من وجهي أو جسدي وتوقفت عن العمل حتى لا أعرض نفسي للسخرية داخل الصالون رافضة أن أتسول شفقة أي كان... أخيرا تركت الغرفة الصغيرة التي شهدت انهيار أحلامي وعالمي وافتراسي مرات من الرجل الذي اتخذته زوجا ضد رغبة أهلي. أصبحتُ وأنا في التاسعة والعشرين امرأة مطلقة، تغزو التجاعيد وجهها وتغطي الأحزان قلبها ولا ترغب سوى في إعادة ترميم حياتها والعيش دون خوف ودون فزع من أن يهجم عليها أحد عند الفجر مغتصبا مشاعرها ومفترسا جسدها بطريقة حيوانية.
فدوى مساط
ركن "قصص من الواقع"
مجلة "نجمة" المغربية
رغم أنف الجميع، تزوجت زهير. كان واضحا خلال مراسيم حفل الزفاف المتواضع أن عائلتي غير موافقة فالابتسامات الباهتة على الشفاه والسلام الفاتر على المدعوين وحتى الأكل البارد التي تم تقديمه في العشاء كانت إشارات لا تخطؤها رادات أحد، حتى زهير لاحظ ذلك لكنه تجاهل الأمر حينذاك وأصر على إظهار فرحه بالفوز بي لدرجة أنني صدقت بأنه يبادلني مشاعر الحب نفسها وبأنه سعيد بالزواج بي، لكن ذلك كله انهار بعد أول شهر من الزواج... ثالث جمعة لنا مع بعض، عندما انفض الحفل وذهب كل إلى حال سبيله واستقرينا مع بعض في غرفة ضيقة بحي شعبي استأجرناها مع بعض رغبة منا في توفير المصاريف حتى يتمكن هو من متابعة دراسته الجامعية بينما أعمل أنا في صالون حلاقة لأنه منعني من متابعة دراستي الجامعية وفرض علي ارتداء الحجاب وقال بأنني يجب أن أتفرغ له بالكامل... لن أنسى أبدا صدى الصفعة التي سددها لوجهي حتى انقلبتُ على ظهري من هول المفاجأة والرعب.
قد أنسى يوما الألم النفسي الذي سببته لي الصفعة، لكنني لن أنسى أبدا الصدى الذي أحدثته الصفعة في فضاء الغرفة المتهالكة، ولن أنسى أبدا أن السبب كان عدم رضاه عن مذاق الكسكس الذي جهزته فرحا كأول وجبة تقليدية فخمة أجهزها له بيدي! أتذكر جيدا أنني يومها رفضت إحضار الكسكس من بيت والدتي كما عرضت علي شقيقتي وأصريت على تحضير الكسكس بنفسي، عربون محبة وعلامة "حداكة" مني، لكنني لم أتخيل أنه سيكافؤني بتلك الطريقة. كانت الصفعة مجرد جرعة صغيرة من مشروب العذاب المُر الذي أذاقني إياه لمدة عشر سنوات تناوب فيها على اغتصابي كلما رفضت الاستسلام لنزواته التي تنتابه فجرا بعدما يكون قد فقد عقله بقنينات الخمرة الرخيصة التي يقتنيها من الكراب الذي يكتري الغرفة المجاورة لنا. عشر سنوات من العنف الذي تسبب في جروح نفسية لن تندمل أبدا وفي إسقاطي لجنينين على مدى خمس سنوات بينما عملت في السنوات الخمس المتبقية على أخذ موانع الحمل دون علمه لأنني علمت في السنة الخامسة وبعد إجهاضي الثاني بأنني لا أرغب في أن أحمل بذرته في أحشائي، لكنني لم أملك الجرأة على تركه إلا بعد خمس سنوات أخرى. تحول الشاب الوسيم الذي عشقته طوال سنوات دراستي الثانوية إلى رجل قاسي القلب، متحجر المشاعر، حمّلني مسؤولية فشله في إتمام دراسته الجامعية وانتقم من كل جزء من جسدي بالعنف الذي كان يلجأ إليه كلما فشل في اقتحام قلعة الصمت التي سجنت نفسي فيها بعد إجهاضي. انتقم من رفض أسرتي له وكان كلما انتهى من نوبة تعذيبي الجسدية يبصق على وجهي قائلا "باش نوري لموك شنو كنسوى. ما رضاوش بيا ديك الساعة إيوا يرضاو بيا دابا وبسيف على دين مهوم"!
رفضت أن أبوح بسري لأي أحد، كنت أضمد جراحي وحيدة في البيت ولا أخرج حتى تختفي الهالات الزرقاء والحمراء من وجهي أو جسدي وتوقفت عن العمل حتى لا أعرض نفسي للسخرية داخل الصالون رافضة أن أتسول شفقة أي كان... أخيرا تركت الغرفة الصغيرة التي شهدت انهيار أحلامي وعالمي وافتراسي مرات من الرجل الذي اتخذته زوجا ضد رغبة أهلي. أصبحتُ وأنا في التاسعة والعشرين امرأة مطلقة، تغزو التجاعيد وجهها وتغطي الأحزان قلبها ولا ترغب سوى في إعادة ترميم حياتها والعيش دون خوف ودون فزع من أن يهجم عليها أحد عند الفجر مغتصبا مشاعرها ومفترسا جسدها بطريقة حيوانية.
فدوى مساط
ركن "قصص من الواقع"
مجلة "نجمة" المغربية
المجموعة القصصية الفائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب
شقاء
28 July 2005
استيقظت خدوج قبل أن تكمل الشمس نشر ضفائرها على الوجود، أيقظها ذاك الإحساس الذي دأب على فض رموش عينيها يوميا قبل الشروق طوال الخمس وعشرين سنة الماضية.