>> Home >> أخبار وتقارير
أحبك بصمت!
على إيقاع "أنا بعشقك أنا" لصاحبة الصوت الطربي ميادة الحناوي، ها أنا أكتب لك من جديد، لكن سامحني لأنني لن أبعث لك هذه الرسالة كما لم أبعث لك المئات مثلها من قبل...
عادت بي الذاكرة إلى ذلك اليوم الذي رأيتك فيه. كنتَ جالسا لوحدك في صالة المركب السياحي بمدينة مراكش. أمامك أوراق مبعثرة بيضاء وقلم مستلقي بتعب على المنضدة الصغيرة الملونة. كنتَ مشغولا بالتحديق في الناس من حولك. بدوتَ لي مهموما ووحيدا فقصدتـُك وسلمتُ عليك. جلستُ إلى جانبك بخجل ولسبب غامض عجزتُ عن التطلع إلى عينيك. كانتا ضيقتين لكن نظراتك الحادة لم تستطع إخفاء كل تلك الشساعة اللامتناهية في حدقيتك... كل ذلك الألم والوحدة. تجاذبنا أطراف الحديث في مواضيع كثيرة وكنتُ خلالها أشيح بنظراتي عنك وأحاول أن أصطنع الجدية في صوتي وجلستي وحتى حركاتي. كنتُ أحاول جاهدة لأنني ساعتها كنت أرتعد تحت تأثير كل تلك المشاعر الجميلة التي اجتاحتني وحوّلت جسدي إلى قطعة معدن ضعيفة تنجذب بشكل مبالغ فيه لمجالك المغناطيسي. أحسستُ وكأن هناك تيارا كهربائيا يمتد من جسدك نحو جسدي، يهزني بنشوة ويدفع ذبذبات مخدرة بقوة في عروقي....
يا إلهي، مالذي يحصل لي؟
هكذا همستُ لنفسي عندما لم أعد أستطيع حتى التنفس وأنا جالسة إلى جانبك. أحسستُ أن دقات قلبي كانت تطن في أذني وشعرتُ بالحمرة الداكنة تجتاح وجنتي وبدأتُ أحس بتكون حبات العرق على كفيّ المرتعشيْن. حاولتُ إخفاء كل ذلك بمناقشة مواضيع سياسية شائكة وقضايا اجتماعية معقدة وعمدتُ إلى استعمال مفردات لغوية أكثر تعقيدا حتى أدفع عقلي للتفكير بشيء آخر غيرك... لكن محاولاتي باءت بالفشل ولم يغادرني الوجل حينها إلا عندما تواطأنا معا على اللقاء مساء.
لقاؤنا كان التاريخ السري لبداية أنوثتي... حين دخلتُ غرفتك المعتمة ذاك المساء ووجدتـُك جالسا على الكنبة تتظاهر بمتابعة التلفزيون، أدركتُ أنك كنت تنتظرني بشوق. كنتَ أنت أيضا تتحرق لرؤيتي تماما كما كنتُ أنا أرتعش لفكرة الاختلاء بك في غرفة غير آمنة في مدينة مكشوفة على بعد خطوات فقط من أصدقائي وأعدائك!
ذلك الوقت القصير الذي قضيناه معا كان أجمل ما عشت وتلك الكلمات التي همستَ بها في أذني مازالت تهزني إلى الآن كلما تذكرتُ البحة التي كانت في صوتك ليلتها وأنت تنطق بحروفك بحذر شديد حتى لا تسمعها آذان المتلصصين.
رجولتك أبهرتني...غمَرْتـَني بحبك وحنانك، وكل تلك القبلات التي زرعتها على جسدي أزهرت فراشات حلقت بي في عالم العشق اللذيذ... أحتفظ بتفاصيل تلك االليلة كلها داخل رزمة حريرية في ركن قصي بقلبي. هي كنزي النفيس الذي أحرص على الاستمتاع به وحيدة كلما خلوتُ إلى نفسي واشتد حنيني إليك.
هل مازلتَ تذكر كل ذلك؟ هل تحن إلي أنت كذلك؟ هل مازلت جائعا للحب كما كنت أم سد المال شهيتك للحب والعطاء؟
الكثير من الأسئلة تتناسل في ذهني وأنا أرى صورك في الجرائد، تحمل أخبار آخر مشاريعك الاقتصادية وتغطي انتفاخ أرصدتك البنكية وارتفاع أسهم حظوتك لدى من هم فوق. أما أنا فمازلتُ كما كُنت. أحبك بصمت. أضم الكتب التي كنا نتبادلها في الماضي وأذهب لرؤية الأفلام السينمائية التي كانت يوما سببا في لقائنا وأحرص على التهام آخر الإنتاجات الأدبية التي تقذف بها مطابع الجيران في الضفة الأخرى للمتوسط. أحبك عبرها وأسترجع ملامحك كما انطبعت في ذاكرتي تلك الليلة. أقص صورك من الجرائد والمجلات وأضعها في الدفتر القديم حيث أضع تذكرة القطار الذي ركبته آخر مرة معك، بالإضافة إلى أشياء صغيرة تخصك جمعتها عبر الزمن الذي يفصل بين قبلاتنا تلك الليلة وبيننا اليوم.
أفرح لانتصاراتك وأعترف بأنني لم أستطع هزيمة كل هذا العشق الذي أكنه لك. تطلــّقتُ بسببك مرتين، لأنني كنت أبحث في زوجيّ معا عنك. بحثت عن تلك الرجولة الطاغية فيهما وظلمتهما عندما حمّلتهما مسؤولية سد الفراغ الذي تركته أنت في حياتي. قررتُ بعد تلك التجارب أن أتعبد داخل جسدي من أجلك، أن أكتفي بحبك من بعيد وأن أسعد لسعادتك وأحب فيك ذكريات تلك الليلة ألف مرة في اليوم، دون أن تشعر ودون أن أطلب إذنك أيها الرجل الباذخ الرجولة.
سأظل أحبك بصمت!
فدوى مساط
ركن "قصص من الواقع"
مجلة "نجمة" المغربية
المجموعة القصصية الفائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب
شقاء
28 July 2005
استيقظت خدوج قبل أن تكمل الشمس نشر ضفائرها على الوجود، أيقظها ذاك الإحساس الذي دأب على فض رموش عينيها يوميا قبل الشروق طوال الخمس وعشرين سنة الماضية.