ممنوع نقل أو إعادة نشر المقالات من الموقع دون إذن من الكاتبة. يمكن مراسلة الكاتبة على العنوان الإلكتروني fmassat@gmail.com

>> Home >> أخبار وتقارير

شقيقتي الحبيبة، عودي...
دخلتُ شقتي الصغيرة بفرح طفولي ورميت حقيبتي على الأرض بينما أرحت جسدي المنهك على السرير، فقد عدتُ لتوي من مدينة طنجة حيث قضيتُ أياما قليلة رفقة أسرتي وخصوصا شقيقتي بشرى التي تكبرني
 بأربع سنوات لكننا قريبتين من بعضنا البعض كثيرا. عدتُ في الحقيقة على مضض لأنني كنت أود أن أبقى أكثر من ذلك كي أضمد الجروح الجسدية والنفسية التي تعاني منها شقيقتي بعدما أذاقها زوجها طعم العلقم...
دعوني أتحدث قليلا عن شقيقتي بشرى التي أحبها كثيرا: هي أجمل بنات جيلها على الإطلاق، كانت دائما ما تنجح في الاستئثار باهتمام أقاربنا وجيراننا ومعارفنا بفضل عينيها العسليتين الجميلتين اللتين تضفيان نوعا من البراءة على وجهها المدور الأبيض الخالي من أي بثور أو بقع، ف بشرتها الصافية اللامعة كانت دائما تثير غيرة وحسد صديقاتها القليلات.
بشرى أيضا من أطيب الناس الذين عرفتهم في حياتي، كانت تحن علينا (نحن إخوتها الثلاثة) وتسهر على راحتنا كلما سافر والداي إلى "البْلاد".
لم نكن نحب كإخوة أن تسافر والدتي الأمازيغية الطيبة، لكنها عندما كانت تفعل فإن شقيقتي بشرى كانت تعوضنا عن حنانها وتطبخ لنا أشهى المأكولات وتسمح لنا بمشاهدة التلفزيون، وتسهر معنا حتى ننجز جميع واجباتنا المدرسية.
بشرى معروفة أيضا بكرمها غير العادي فلم تكن تتردد كثيرا في منح الآخرين ما لديها حتى أن والدي كان يغضب منها أحيانا وينهرها قائلا: "واش ما عندكش الكبدة على حوايجك؟"
أتذكر يوما كنا في حفل عقيقة يضم نساء العائلة في بيت قريبة لوالدتي، وارتدت فيه بشرى قفطانا أحمر مطرزا بخيوط ذهبية لامعة أبرز بشكل موفق بياض بشرتها وتناسق جسدها النحيل، فأثنت جميع النساء الحاضرات على قفطانها وخصوصا ابنة خالي التي كنا لا نراها كثيرا لأنها كانت تتابع دراساتها العليا في العلوم الكيميائية وتقيم في حي جامعي بمدينة بعيدة. لم تكد الحفلة تنتهي حتى اختفت بشرى عن الأنظار لبرهة قبل أن تعود وهي حاملة قفطانها الأحمر المذهب وأهدته لابنة خالي وأقسمت على أن تقبله منها لأنه أعجبها ولأنها لا تملك الوقت الكافي كي تذهب لشراء ثوب مماثل وخياطته، مما خلف أثرا إيجابيا لدى جميع الحاضرات في الحفل...
جمال بشرى وطيبوبتها وإجادتها للطبخ المغربي والعصري معا، جعل منها عروسا نموذجية تتسابق الأمهات على خطبتها لأولادهن قبل حتى أن تبلغ سن العشرين، لكن والداي رفضا إرغامها على قبول أي من طلبات الزواج التي عُرضت عليها وكانا يمتثلان دائما لرغبتها في تأجيل موضوع الزواج لبعض الوقت، إلى أن جاء اليوم الذي فاجأتنا فيه شقيقتي وقالت بصوت هامس وبوجنتين مشتعلتين حُمرة: "واخا، موافقة"!
كان الخاطب تاجرا وإبن أحد قريبات والدتي من ناحية والدها. أتذكر جيدا تلك الليلة التي جلست فيها شقيقتي على "البرزة" في بيتنا وتعالت الزغاريد محتفلة بليلة زفافها. بدت بشرى رائعة الجمال في فساتينها التقليدية اللامعة التي غيّرتها أكثر من مرة، وأضفى حياؤها الشديد لمسة ساحرة على شخصيتها تلك الليلة مما جعلها تتألق بشكل خاص..
أتذكر بأنني كنت سعيدة في بداية الحفل، أتنقل بين النساء الحاضرات مزهوة بفستاني وتسريحة شعري والأهمية التي تحظى بها شقيقتي ذلك اليوم، لكن ما إن اقتربتْ السهرة من نهايتها حتى استفقتُ على حقيقة مفجعة وهي أن بشرى ستغادرنا إلى الأبد، حينها لم أستطع منع دموعي من الإنهمار بحرقة، فلجأتُ إلى غرفة صغيرة نائية في البيت وبكيت كما لم أبكي من قبل في حياتي...
حزنتُ كثيرا لفراق شقيقتي ورفضتُ الخروج من الغرفة لوداعها لكنها ما إن غادرت البيت في السيارة مع زوجها حتى ركضتُ إلى الخارج كي أودع السيارة بيدين مرتجفتين وعينين باكيتين وقلب منكسر...
مرت الشهور وبشرى لا تحكي سوى الخير عن زوجها واستقامته وتدينه وطيبته، لكن ما إن انقضت السنة الأولى على زواجها حتى بدأ زوجها يتغير. باتت مكالمات بشرى لوالدتي ولباقي أفراد الأسرة تقل حتى اختفت تماما ولم تعد هي تأتي لزيارتنا سوى في المناسبات الدينية الكبرى. كما أن نظراتها المليئة بالطيبة والحنان بدأت تتحول شيئا فشيئا إلى نظرات منكسرة وحزينة مما أثار فزعنا واستفاهمنا لكنها كانت تجيب أسئلتنا الملحة بصمت قاتل أو تكتفي بإيماءة وجملة "الحمد لله على كلشي"!
لم أفهم السبب في انطفاء شعلة شقيقتي التي أحبها كثيرا سوى بعد عيد الأضحى عندما فاجأناها أنا وأسرتي بزيارة خاطفة إلى بيتها. لم نكد نصدق أعيننا عندما فتحت شقيقتي الباب ورأينا الهالات الزرقاء الفاقعة التي تغطي عينيها الجميلتين... لم نصدق أن شقيقتي الحنونة، المعطاءة والرقيقة تعرضت للتعنيف على يد زوجها الدنيء.
شهقتْ والدتي عندما رأتها وارتمتْ عليها تحضنها وتقبلها وتسألها عما ألمّ بها، فيما اختبأتُ أنا وراء ظهر والدتي أحاول إخفاء صدمتي وكبح دموعي وصرختي التي انطلقت من أعماق قلبي...
يا ألله، كيف أمكن لهذا الرجل القاسي أن يرفع يده على أطيب إنسانة في هذا العالم؟ وكيف أمكن لهذا الرجل أن يضرب شقيقتي التي تعد أعز ما لدي في هذه الدنيا؟ وكيف أمكن لهذا الرجل أن يعنف أختي ويهين كرامتها بهذا الشكل الوحشي؟
أسئلة كثيرة داهمتني لحظتها وعقدتْ لساني وجعلتني أحس بغضب عارم... غضب تحول بعد وقت قصير إلى إحساس مـُرٍّ بالعجز.. عجزٌ عن حماية شقيقتي ووقف هذا العنف الذي يدمر حياتها...
اكتشفنا أن زوج شقيقتي يعيرها بأنها لم تحمل بعد بطفل يرث إسمه وماله رغم مرور سنة واحدة على الزواج، وأنه انتقل من العنف اللفظي إلى العنف الجسدي لإطفاء جذوة غضبه من عجزه في أحيان كثيرة عن معاشرتها كبقية الأزواج...
لم نصدق ما سمعناه في البداية، وحاولنا إقناع شقيقتي بهجر بيت زوجها والعودة معنا إلى بيت الأسرة الدافئ إلا أنها رفضتْ بشدة وقالت بأنها لن تخرج أبدا من بيتها!
عدنا نجر أذيال الخيبة، لكن قلبي بقي هناك في بيت شقيقتي... منكسرا حزينا ومليئا بالحسرة...
عملتْ والدتي جاهدة فيما بعد على التواصل مع شقيقتي والإطلاع على أخبارها عن قرب، كما نجحتْ في إقناع زوجها بالسماح لها بزيارة الأسرة والبقاء معنا لمدة أسبوع بين الفينة والأخرى، ولهذا سافرتُ إلى طنجة الأسبوع الماضي كي أرى شقيقتي وأضمّها إلى صدري وأخبرها كم أحبها وكم أتعذب للمصير الذي تعيشه.
...جـُلت بنظراتي داخل الشقة الصغيرة التي تضم أثاثي المبعثر كمشاعري وحمدتُ الله على أنني تابعت تعليمي وحصلتُ على وظيفة ممتازة تمنحني الاستقلالية المادية والنفسية. قمتُ من مكاني ودفعتُ الحقيبة داخل خزانة ملابسي وارتديتُ بيجامتي المفضلة، وتوضأت وصلـّيتُ ركعتين لله وطلبت منه أن يساعد شقيقتي على الإفلات من العذاب الذي تعيشه وتعود إلى أحضاننا. تمنيتُ من أعماق قلبي أن تعود شقيقتي الحبيبة إلينا كي نعوضها عن هذا العذاب الذي تعيشه، وجلستُ بعد ذلك أستمتع بالسكون الذي يخيم على شقتي الغارقة في الظلام وقلتُ لنفسي بصوت عال: "الله ينعل الزواج إيلا كان بحال هكاك"!
ركن "قصص من الواقع"
مجلة "نجمة" المغربية
 

المجموعة القصصية الفائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب

نشيج على كتف إله مزور!

8 July 2005

"أدمنتك وإن كنت لا أجرؤ على تكسير قيودك".

شقاء

28 July 2005

استيقظت خدوج قبل أن تكمل الشمس نشر ضفائرها على الوجود، أيقظها ذاك الإحساس الذي دأب على فض رموش عينيها يوميا قبل الشروق طوال الخمس وعشرين سنة الماضية.

ندبة

16 June 2005

مالت شمس متشحة بضباب برتقالي شفاف جهة الغرب، ثم اختفت خلف الجبال وبدأت أولى خيوط الظلام تلف المدينة وتمسح الظلال من الوجود. المدينة عائمة في صمتها الأزلي، تلبس بياض دُورها الناصعة وكأنها في حداد دائم.