>> Home >> أخبار وتقارير
غيرتُ ملابسي بسرعة ونزلتُ إلى غرفة المكتب. وقفتُ أمام جهاز الكمبيوتر وترددت كثيرا قبل أن أنقر على الفأرة كي تفتح علبة رسائلي الخاصة. مرت بعض اللحظات بدت لي طويلة ولم أستطع خلالها ضبط اللهفة التي أحسستها في صدري وقبل أن أواجه نفسي وأوبخها بسبب تلك اللهفة، كشفتْ شاشة الكمبيوتر عن علبة رسائلي الخاصة وبها أكثر من عشر إميلات. مررتُ على عناوين الإميلات بسرعة وفجأة توقفت عند عنوانه. كانت هناك رسالة منه. فتحتها بسرعة ورميت بنفسي على الكرسي الجلدي البارد وبدأت بقراءة الرسالة. التهمتُ حروفها بجوع عاطفي قاتل وكنت كلما قرأتُ كلمة غزل رقيقة تتصاعد دقات قلبي وأحس بأن وجنتي تزدادان احمرارا إلى أن وصلت إلى الجملة الأخيرة التي قال فيها هل تذكرين؟
حملتني تلك الجملة إلى أيام مراهقتي المليئة بالشقاوة. تذكرتُ كل تلك المشاعر المتدفقة التي أحسستها تجاه "عزيز
". كان صديقي وزميلي في الصف وربط الحب بين قلبينا بطريقة عنيفة هزت كياننا معا وقررنا قطع وعد لبعضينا نتعهد خلاله بالوفاء لبعضنا البعض حتى الموت والعمل معا بجد حتى نتزوج مباشرة بعد حصولنا على شهادة البكالوريا!
كنت طفلة لا أعرف من الحب سوى مشاهد الدموع التي تحفل بها المسلسلات المكسيكية التي علمتني بألا أتخلى عن "حبيبي" أبدا ومهما كان. تذكرتُ ذلك اليوم الذي ذهبت فيه مع "عزيز" إلى حفلة عيد ميلاد زميل في الصف الدراسي. كنا محاطيْن بأصدقاء كثر لكن نظراته التي كانت تلتهم جسدي الملفوف في سروال جينز باهت وياقة بيضاء أيقظت داخلي مشاعر الأنثى... أتذكر كيف قبـّل أناملي بعدما بدأ الجميع يرقص على إيقاع الموسيقى الصاخبة... وأتذكر أيضا كيف لحقني إلى المطبخ وجثا على ركبتيه مادحا جمالي وقارئا أبياتا من الشعر قبل أن ينحني بسرعة ويلثم أصابع قدمي التي كانت بارزة من صندلي الجلدي اللامع!
ياه! قلت لنفسي إن تلك الطفلة المراهقة كانت جريئة جدا. تنهدتُ بعمق وأعدتُ قراءة الرسالة من جديد. كان عزيز يعبر فيها عن شوقه وحبه لي ويقول بأنه تزوج ورزق بطفل جميل لكنه لم يطق البقاء مع زوجته سوى ثلاث سنوات وطلقها كي يتفرغ للبحث عني بعدما أدرك بأنه لن يجد السعادة الزوجية سوى مع أول فتاة خطفت قلبه. كانت رسالة رقيقة مليئة بالغزل والإطراء وبها الكثير من الإشارات والجمل التي كنا نتبادلها في تلك الفترة من حياتي التي بدت بعيدة... بعيدة جدا!
كانت هذه هي الرسالة الثالثة منه خلال يومين...
تذكرت الرسالة التي كتبتـُها ل"عزيز" كي أنهي علاقتي به بعدما استفقتُ يوما وقررت أن مشاعري تجاهه لم تكن هي الحب الأبدي الذي بدأت أقرأ عنه في الكتب والروايات العاطفية التي تحولت إلى إدمان جديد بعدما فقدتْ المسلسلات المكسيكية بريقها... أتذكر كل المرات التي حاول فيها الاتصال بي إلى أن جف نبع "الحب" الذي كان بيننا وتفرقت بنا السبل وانتقل كل واحد منا إلى مدينة وركب قارب الحياة الذي قاده إلى مصير مختلف.
عزيز اختار التجارة ونجح فيها لكنه فشل في الحب وأصبح مطلقا بطفل يربيه لوحده كما يقول في رسالته، بينما واصلتُ أنا تعليمي وحصلت على شهادة الدكتوراه في علم النفس وبت أعالج آلام الناس النفسية في عيادتي الخاصة التي أعتبرها عالمي السحري الذي يتحرر فيه "مرضاي" من كل المحرمات ويحكون لي فيه عن انكساراتهم وعذاباتهم وآلامهم...
تزوجت ورزقتُ بطفلة جميلة لا تكف عن الركض في أرجاء المنزل وتشبه والدها كثيرا. صحيح أن زواجي تم بطريقة تقليدية، لكنه ناجح جدا ويمنحني الاستقرار العاطفي والمادي الذي أحتاج، وزوجي إنسان كريم ورائع، يحترمني ويعاملني بحنان كبير...
توقفتُ لدقيقة وفكرت فيه، تذكرت كيف كان منبطحا على بطنه في الطابق العلوي. ابتسمتُ ثم تناهى إلى سمعي صوت قهقهاته مع طفلتنا... ابتسمتُ مرة ثانية وحملقت في شاشة الكمبيوتر للحظات قبل أن أمد يدي للفأرة وأقوم بإلغاء الرسالة التي حلـّفني فيها "عزيز" بأعز ما لدي كي أرد عليه وأزوده برقم هاتفي وعنواني...
أقفلتُ الكمبيوتر وركضت إلى غرفة نومي حيث كان زوجي يلعب مع ابنتنا الجميلة، رميت بنفسي بينهما وقبل أن أحمل طفلتي على ركبتي وأطوح بها إلى الأعلى، التفتُ إلى زوجي وقبلته بحرارة وقلت له "أحبك" وقررت بيني وبين نفسي ألا أقرأ أية رسائل من "عزيز" حتى لا أهدم هذا العش الهادئ الذي يلمني بمن أحب!
ركن "قصص من الواقع"
مجلة "نجمة" المغربية
المجموعة القصصية الفائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب
شقاء
28 July 2005
استيقظت خدوج قبل أن تكمل الشمس نشر ضفائرها على الوجود، أيقظها ذاك الإحساس الذي دأب على فض رموش عينيها يوميا قبل الشروق طوال الخمس وعشرين سنة الماضية.