ممنوع نقل أو إعادة نشر المقالات من الموقع دون إذن من الكاتبة. يمكن مراسلة الكاتبة على العنوان الإلكتروني fmassat@gmail.com

>> Home >> شئ من الألم

ندبة
مالت شمس متشحة بضباب برتقالي شفاف جهة الغرب، ثم اختفت خلف الجبال وبدأت أولى خيوط الظلام تلف المدينة وتمسح الظلال من الوجود. المدينة عائمة في صمتها الأزلي، تلبس بياض دُورها الناصعة وكأنها في حداد دائم. الناس يهرولون بجلابيبهم القصيرة، سحنات متشققة صفراء، أعين محمرة رمداء وأجساد ناحلة. يتعالى صوت متقطع قرب الأضرحة الخضراء التي تحيط بالمدينة كأنها سوار أخضر باهت على معصم أرملة غادرتها الحياة منذ زمن.
الكل رائح لا يلوي على شيء، عيون الناس معلقة عند نقطة لا مرئية وسط الظلام، إلا هي. كانت الوحيدة الجالسة بين ضريحين، تسدل منديلها اليدوي الصنع على وجهها وتلف بآخر فخذيها حتى آخر ساقيها الملقيتين على الأرض. تضع حول جيدها الكثير من السلاسل المعدنية تتدلى منها حبات الخرز الملون. كانت تفترش الأرض وتلتحف نسيم الليل كعادتها. تضم إلى صدرها رفات رضيع تهدهده بصمت وترضعه إبهامها من حين لآخر.
عاشت حياة أهل الشمال بمرارتها الكثيرة وحلاوتها النادرة، لم تتزوج لحد الآن ولم تعاشر رجلا من قبل. عمِلت في الحقل وداخل البيت، مشت عشرات الكيلومترات لتعود بجالون ماء قبل أن يسود الجفاف. لا ملامح مميزة لها. نظراتها دائما معلقة عند نقطة لا مرئية وسط الظلام.
أمسكَت بقدمي الرضيع وأخذت تحركها وهي ساهمة. تحسست جسده الصغير بكامل كفيها بحذر كبير. دندنت بعض الكلمات ثم وضعت الرضيع على ربوة مُتربة أمامها وقامت تبحث عن بعض الماء من الضريح الذي على يمينها. عادت تحمل رضاعة متسخة بها القليل من الماء ثم أخرجت قطعة صخرية صغيرة حادة من بين ملابسها وبدأت تمررها على معصمها بعنف وبقوة دون أن تصدر منها أية تنهيدة أو صرخة ألم. كانت عيناها مركزتان على معصمها ووجهها صامت منحوت لا أثر فيه لتقطيبة حزن أو صرخة ألم. نجحت أخيرا في إحداث جرح على مستوى وريدها وبدأ خيط رفيع من الدم القاني يتسرب من الجرح. قرّبت الرضاعة من الجرح وجعلت تملأها بدمها الذي يقطر ببطء. لفت معصمها بخرقة بالية كانت تلف بها جرحا آخر بساقها. بدأت تحرك الرضاعة إلى أسفل وإلى أعلى ثم من اليمين إلى اليسار حتى تجانس المحلولان معا وأصبح لونهما ورديا يميل إلى الحمرة. سحت دعاء غريبا ثم حملت رفات الرضيع من على الربوة المتربة وأخذت تهدهده بصمت. أطعمته الرضاعة ثم نكفت الدموع التي تدفقت من عينيها وعادت للتحديق في نقطة عالقة في الظلام.

المجموعة القصصية الفائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب

نشيج على كتف إله مزور!

8 July 2005

"أدمنتك وإن كنت لا أجرؤ على تكسير قيودك".

شقاء

28 July 2005

استيقظت خدوج قبل أن تكمل الشمس نشر ضفائرها على الوجود، أيقظها ذاك الإحساس الذي دأب على فض رموش عينيها يوميا قبل الشروق طوال الخمس وعشرين سنة الماضية.

ندبة

16 June 2005

مالت شمس متشحة بضباب برتقالي شفاف جهة الغرب، ثم اختفت خلف الجبال وبدأت أولى خيوط الظلام تلف المدينة وتمسح الظلال من الوجود. المدينة عائمة في صمتها الأزلي، تلبس بياض دُورها الناصعة وكأنها في حداد دائم.